لماذا طال اعتذار فرنسا عن جرائم حربها في الجزائر

الخميس 2017/12/07

منذ زيارة إيمانويل ماكرون الخاطفة للجزائر، أثناء حملته الانتخابية وإدلائه حينذاك بتصريحاته التي قال فيها بأن الاستعمار الفرنسي قد ارتكب جرائم حرب في العديد من البلدان المستعمرة بما في ذلك الجزائر، ومنذ أن أفصح في ذلك الوقت عن نيته في أداء زيارة رئيس الدولة الرسمية للجزائر والتي نفذها عمليا الأربعاء 6 ديسمبر 2017، والجزائريون ينتظرون منه الانتقال من طور النقد العام لظاهرة الاستعمار، إلى طور الإدانة المباشرة والواضحة لجرائم الحرب التي خاضتها فرنسا في الجزائر وتقديم الاعتذار عنها.

من البديهي أن النقاش الذي دار على مستوى النخب السياسية الجزائرية وفي وسائل الإعلام المختلفة حول ما يدعوه الجزائريون بملف ذاكرة الحرب الفرنسية- الجزائرية سوف لن يتوقف حتى لو اعتذر الرئيس ماكرون جهرا عن جرائم فرنسا في الجزائر المستعمرة، لأن القضية لا يمكن أن تختزل اعتباطيا في ارتجال كلمة إيجابية في هذا الشأن المعقد، بل إن الأمر يتعلق بإرث ثقيل جدا له علاقة بتدمير الكثير من العناصر المادية والثقافية والروحية للهوية الجزائرية حيث مسّ هذا الإرث، ولا يزال يمسّ، شبكة العلاقات الثنائية التي يتقاطع فيها الماضي والحاضر والمستقبل معا.

من المعلوم أنه يمكن للدولة الفرنسية أن تقدم الاعتذار عن الماضي الاستعماري بكل إحداثياته المادية والرمزية لأن مثل هذا الاعتذار ليس بغريب عن الثقافة السياسية الفرنسية، والدليل على ذلك أن فرنسا نفسها قد طلبت من ألمانيا تقديم الاعتذار عن احتلالها لها وبعد تنفيذ الأخيرة له حدث انفراج إيجابي في العلاقات الثنائية بين البلدين، وانعكس ذلك على أوروبا بكاملها الأمر الذي سهّل تأسيس السوق الأوروبية، ومن ثم بناء صرح الاتحاد الأوروبي الذي يمثل نقلة نوعية وكبيرة في الفكر السياسي الأوروبي النظري والتطبيقي والذي يبرز جوهره في وضع لبنات بموجبها تتجاوز الدول الأوروبية فكرة الدولة- الأمة إلى الدولة الأوروبية الكبرى ذات الثقافات والأعراق والإثنيات المتعددة والمختلفة معا.

ولكن يلاحظ أن هناك مسألة لها خصوصيتها لم تحظ بمناقشة جادة من طرف النخب السياسية الجزائرية وذلك في السياق الفرنسي- الجزائري، وتتصل بمضامين اتفاقيات إيفيان التي تعتبرها الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ عام 1962 إلى اليوم تتضمن كل ما أرادته الجزائر من فرنسا بشكل رسمي بما في ذلك ما يتصل بملف الذاكرة.

وبناء على هذا يرى صقور القيادات الفرنسية بقصر الإيليزيه بشكل خاص، وفي الحياة السياسية الفرنسية بشكل عام، أن تنفيذ كل مطالب الجزائر المتمثلة في فتح ملف جرائم الاحتلال الاستيطاني ومأساة الحرب التي رافقت مسار تلك الحقبة الاستعمارية، بدءا من عام 1830 إلى عام 1962، يعني إمّا نسخا مكررا وإمّا تنكرا وإسقاطا لهذه الاتفاقيات وعدم الاحتكام إليها بعد مضي ما لا يقل عن 55 سنة على توقيعها بين الطرفين.

لا شك أن القيادات الفرنسية تدرك أن عدم فتح هذا الملف بكل شفافية هو المسؤول على زرع الشكوك التي تعطل إمكانية صنع بنية متينة في العلاقات بين البلدين، وأنه السبب المباشر في إبقائها تدور داخل المنطقة الرمادية القابلة للتعتيم في أيّ لحظة، وفي شلّ محاولات الانتقال بها إلى فضاء الشراكة الثنائية المستدامة في الميادين الحيوية مثل التصنيع والثقافة والتعليم والتنسيق السياسي أفريقيا وعربيا ودوليا، رغم ما يقال في وسائل الإعلام الجزائرية والفرنسية إن فرنسا هي الشريك التجاري الاقتصادي الأول للجزائر عالميا حتى يومنا هذا، ولكن شبح ملف الذاكرة المعلق منذ سنوات طويلة لا يزال يفرّخ العراقيل التي تحول دون التأسيس للثقة المتبادلة بين البلدين.

لماذا لم يقدر النظام الجزائري على مدى سنوات الاستقلال، على محاورة الدولة الفرنسية ومجتمعها المدني قصد خلق المناخ الذي يساعد على إنضاج الظروف التي يتجسّد فيها الاعتراف الفرنسي بجرائم الحرب الاستعمارية الفرنسية في الجزائر؟ لا شك أن هذا السؤال ينبغي أن يقودنا إلى القراءة الموضوعية للواقع الجزائري، وذلك من أجل تحديد السبب الأساسي لضعف الموقف الجزائري إزاء فرنسا.

إن فقدان كل هذا قد أدّى إلى غياب الندية ببعديها المادي والرمزي بين فرنسا، كدولة متطورة ومصنعة لها قوة نووية وتملك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي وتتمتع بالهيمنة اللغوية والثقافية في الكثير من بقاع العالم، وبين الجزائر التي تقبع في هوامش العالم الثالث اقتصاديا وثقافيا وتقنيا ومعماريا، ويضاف إلى هذا تخلي الجزائر طوال فترة الاستقلال، عن رأسمالها القديم المتمثل في المفكرين والمؤرخين والإعلاميين والمثقفين والسياسيين الفرنسيين وأسرهم وأتباعهم الذين وقفوا بقوة إلى جانب حركة التحرر الوطني الجزائري. ولقد أدّى هذا التخلي إلى تجريد الجزائر من أسلحتها الرمزية داخل المجتمع الفرنسي ذاته، كما أن إهمال النظام الجزائري للجالية الجزائرية المبعثرة في فرنسا وفي عموم أوروبا قد ساهم في إجهاض إمكانية صنع قوة ناعمة للجزائر داخل نسيج المجتمع الفرنسي.

على أساس ما تقدم فإن مطلب النظام الجزائري المتمثل في دعوة فرنسا إلى الاعتراف بجرائم استعمارها للجزائر، وإلى تقديم الاعتذار والتعويضات المادية للجزائريين لا تسنده الدعامات المذكورة آنفا وهذا ما يجعل الموقف الجزائري هلاميا من دون أدنى شك.

كاتب جزائري

9