لماذا عصر الرواية العربية

الخميس 2016/08/25

بعد أن كان الشعر ديوان العرب، أضحت الرواية ديوان العرب على ما يبدو، بعد شيوع كتابتها وانتشارها بطريقة استثنائية لم يسجل التاريخ الثقافي العربي مثل هذه الثورة السردية العارمة التي طغت على الفنون الأدبية الجمالية الأخرى بشكل مثير جدا، وأوجدت تلقيها العام معها بصورة إيجابية إلى حد كبير.

عوامل كثيرة متضامنة فسحت المجال لهذا الفن أن يتصدر بقية الفنون ويكون شاغل عصره، بعدما كانت المهيمنة الكبيرة السائدة هي قصيدة النثر التي وطدت نسقها الجمالي والفكري بمثالية واضحة إلى عدد من العقود لا سيما في وطننا العربي الذي شهد ولادات جمالية متعددة في هذا المضمار.

وراء هذه السعة السردية العربية جملة من العوامل الكبيرة ومعظمها نحيلها إلى عاملين؛ سياسي واجتماعي بالترتيب وما أورثته “طبخات” الربيع العربي من انقلابات سياسية وفكرية واجتماعية وأخلاقية ودينية في متغيرات جوهرية في بنية الجسد العربي عموما، الأمر الذي يذكرنا بنهوض الرواية الغربية في القرن التاسع عشر كونها كانت نتيجة طبيعية للعديد من الثورات في البنية الأوروبية السياسية وإشغال فراغاتها بأفكار جديدة خرجت من تلك المخاضات المحتدمة، فأوجدت مناخات سريعة لتغييرات في البنى الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والإنسانية، وهذه التغييرات كانت جوهرية وصعبة في منعطفاتها البنيوية على مستويات المجتمع كوحدة جغرافية ونفسية، ومن ثم على المستوى الفردي الشخصي، لذلك استعادت الرواية موقعها الأثير بين الفنون الأدبية بقدر ما كان للتغييرات السياسية والعسكرية والثورات الجماعية الأثر الواضح في تشكيل نمط سردي يتيح للكتّاب معالجة مثل تلك التغيرات والنظر إلى جوهر الحياة بطريقة أكثر قوة فنية.

العالم العربي، وحتى وقت قريب، كان متخما بالأيديولوجيات الشرقية والغربية غير أن معالم تلك الأيديولوجيات أزاحتها “ثورات الربيع العربي” بمساعدات غربية عسكرية وإعلامية ضخمة وأخرى مشبوهة دينيا وطائفيا تعاضدت مع هذه المنقلبات لتصوير التغيير كأنه الضامن الوحيد للخروج من أيديولوجيات وأفكار متعاكسة، للوصول إلى جنة عدن فانكشفت الأقنعة عن وجود شبهات كبيرة في مسارات هذا التغيير الذي حطّم قوى إقليمية ضخمة الموارد الاقتصادية والبشرية والتقنية كالعراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر، وظل الحلم العربي بالتغيير والانقلاب إلى التحضر المدني بعيدا عن الدكتاتوريات تتقاذفه رايات داعش وغيرها من رايات الطائفية الإسلامية الجاهلية المعقدة.

في هذا المخاض الذي لا يزال ساري المفعول انفتح السرد أمام جسامة هذه الأحداث واحتوى بقية الفنون الأدبية في لغة معرفية جديدة ضمّت إليها مشاهد بقية الفنون في وحدة فنية مضمونة الجمال، فالرواية لم تعد مجموعة أحداث ينتظمها قالب سردي جاهز، فربما أصبحت أكثر من هذا في احتوائها على أزمة الإنسان العربي وإعادة اكتشافه في ضوء المعطيات الاجتماعية التي طالها التغيير العكسي، مثلما أصبح السارد العربي ينظر إلى الرواية كوسيلة تعبيرية تستقي من الفنون الأخرى مساقات جمالية وفنية مشروعة لتغذية الناظم السردي وهو يتجوهر في مشرحة المجتمع الذي أجهزت عليه قيم غريبة وجديدة تحاول أن تمرر عبره مشروعها الطائفي التقسيمي الهجين، مثلما أعطى السارد العربي الحرية لسرد تخييلي يتنقل بين بؤر زمانية ومكانية لتعقب الأثر التاريخي أو الجغرافي لصراع الهويات والأقليات الدينية كثيمة سردية جديدة اكتنزت بثورة السرد كحقيقة موجودة أفرزتها ظروف الحرب والمتغيرات العسكرية التي طالت بنية المجتمع العربي.

تعدد الأصوات وبؤر التنقل لمعالجات جديدة يستند إلى فنون شعرية وموسيقية وعلمية ورمزية وشعبية وطقسية وخرافية ومثيولوجية ووثائقية لإعادة تنظيم الواقع واكتشافه من جديد هو من أبرز مزايا الرواية العربية الجديدة.

بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين مسافات مأهولة بالتغيير الفني والأدبي مثلما هي الحالة العربية مأهولة بالتغييرات السياسية والاجتماعية. والرواية شاهد فاعل في تأريخ هذا التغيير.

كاتب من العراق

14