لماذا فاز أردوغان وماذا تبقى من الديمقراطية في تركيا

السبت 2014/08/16

لم يكن هناك شك في فوز السلطان أردوغان في أول رئاسيات مباشرة يعرفها البلد، إذ جاء هذا الفوز نتيجة لأكثر من عشر سنوات من المراوغات السياسية وذر الرماد في العيون باستعراض نمو مصطنع ورفاهية كاذبة وديمقراطية مشوهة. ولن يمل من ترديد وصفته الناجحة القائلة بأن بعده الطوفان.

ويتساءل كثيرون عن سر شعبيته، ويربطون ذلك بما يعتقدون أنها نتائج على الأرض، وإلا كيف كان له في رأيهم أن يهيمن على الحياة السياسية في تركيا كل هذه المدة؟

من الوهلة الأولى يبدو ذلك منطقيا، فالأرقام المقدمة أكثر من مذهلة ولكنها تبقى مجرد أرقام قد تكذب وتحرف ولا تعبر حقيقة على ما يجري على الأرض، كالزبونية المستشرية على كل المستويات، وخنق المعارضة الديمقراطية، وانتهاج شعبوية دينية وقومية لإغراض انتخابوية.

ولهذه الأسباب مجتمعة، لم تؤثر في نتيجة الاقتراع لا ذكرى القمع الذي مارسه الصيف الماضي ضد المتظاهرين في ساحة تقسيم، ولا فضائح الرشوة التي طالت ابنه وأربعة من وزرائه، ولا تدخلاته في أجهزة الدولة، ولا تشجيعه لأخونة المجتمع التركي.

تنبأ أردوغان أن يفوز بأكثر من 55 بالمئة منذ الدور الأول، لأنه يعرف أن الآلة الإعلامية الريعية تحركت منذ شهور قبل الحملة الانتخابية، وأن المسألة باتت ديمقراطية صورية في تركيا. فإذا ما صدقنا جريدة “ذي إندبندنت” البريطانية فقد كان نصيب أردوغان 533 دقيقة على شاشة التلفزيون العمومي، بينما لم يستفد المرشحان الآخران سوى من 3 دقائق لواحد و45 ثانية للآخر، وهذا مؤشر، تقول نفس الجريدة، على أن الديمقراطية في تركيا تسير نحو النموذج الروسي، بمعنى أن هناك شبه استفتاء يغطي الطابع الاستبدادي لنظام لا يترك إلا القليل من المجال للمعارضة. وكما تنبه جريدة “زمان” التركية، لم يعد للاقتراع أي بعد سياسي وطني، بل هو مجرد انقسام إثني وديني حاد، إذ فاز المترشح الكردي في المقاطعات التي يمثل فيها الأكراد أغلبية، وفاز المترشح الثاني في مقاطعات الساحل الأيجي والمتوسطي، وفي كل مناطق الأناضول وفي المدن الكبرى كاسطنبول وأنقرة فاز أردوغان معتمدا على وعائه الانتخابي التقليدي.

ولم يخف السلطان الجديد نواياه، بل ظل يردد قبل الانتخابات وبعدها أنه لن يكون “رئيسا جالسا لا يفعل شيئا” بل جاء لتغيير الطابع البرلماني للجمهورية التركية إلى نظام متمحور حول شخصية سيادته. يريد مواصلة بناء “تركيا الجديدة” أي تركيا المحافظة، ويأمل أن يكون على رأسها حتى سنة 2023، بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية من قبل كمال أتاتورك. ربما ليقول له إن تركيا غدت عثمانية من جديد، وإن علمانيته قد أصبحت في خبر كان.

يعتبر هذا الفوز بمثابة الخطوة الأولى في طريق رَئسَسَة النظام، فهو لا يمكن أن يكتفي بلعب دور شرفي كما هو مرسوم للرئيس في الدستور التركي، فمن المؤكد أنه سيغير الدستور المقيد لحركته، والذي يمنعه من تفكيك ما تبقى من الكمالية وسيتصرف كسلطان قومي مستبد. ولئن طهّر الإدارة والشرطة والإعلام من كل الذين توّهم أنهم ضد مشروعه الإسلاموي، فإن القضاة هم وحدهم الذين تمكنوا من مقاومته، ولذلك سيعمل وهو رئيس اليوم على تعيين القضاة الذين يساندونه ليخلفوا المعارضين، ومن هنا سيهدم آخر ما تبقى من قلاع الديمقراطية في تركيا: المحكمة الدستورية العليا.

ومن هنا لن يجنح إلى مناورة من أجل تهدئة الأجواء، بل سيزيد في تقوية راديكالية قوى المجتمع المدني الأكثر تنويرا وليبرالية. وسيضع نفسه، تحت مراقبة جيرانه الأوروبيين الذين سيرصدون بقلق أولى خطواته التي قد تؤدي إلى انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، أو تؤجل الأمر سنوات. ولكن لا يمكن أن ينسى الأوروبيون قولته الشهيرة: “المآذن رماحنا، والقباب خوذاتنا، والجوامع ثكناتنا، والمؤمنون جنودنا”. وقد قال لي نائب في البرلمان الأوروبي من الذين لا يعادون انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إن الأوروبيين لن يسمحوا بانضمام هذا البلد ما دام يحكمه هذا “الإخوانجي”.


كاتب جزائري

9