لماذا فشلت الجزائر في أفريقيا

الخميس 2017/10/26

تتميز السياسة الجزائرية تجاه الفضاء الأفريقي بالنزعة الفردية حينا، وبالنرجسية المثبتة حينا آخر، وهي في العموم تطبيق حرفي لثقافة “تسيير الأزمات” بدلا من ممارسة لسياسات أفريقية مشتركة تتم في إطار ما يصطلح عليه بالجماعية الأفريقية.

ففي هذا الأسبوع، مثلا، صرح وزير الخارجية الجزائري السيد عبدالقادر مساهل قائلا إنه يخشى من تغلغل مسلحي تنظيم داعش في الساحل الأفريقي بعد إلحاق الهزيمة النهائية بهم في سوريا والعراق، ولكنه لم يعلن عن توفر أي خطة جزائرية لمواجهة مثل هذا الموقف ذاتيا أو في إطار الاتحاد الأفريقي أو الاتحاد المغاربي.

وفي هذا الأسبوع أيضا قامت السلطات الجزائرية بالقبض على 600 أفريقي نيجيري بمدينة تيزي وزو، وعلى نحو متزامن فقد اتخذت قرارا بترحيلهم إلى بلدهم. علما أن هؤلاء وغيرهم من الرعايا الأفارقة قد دخلوا إلى الجزائر بطرق سلمية وعادية وفي إطار اللجوء السياسي الشرعي المعترف به دوليا. وفي الحقيقة فإن الأفارقة الذين هربوا من بلدانهم بسبب الحرب بالدرجة الأولى، أو بسبب الأزمة الاقتصادية بالدرجة الثانية، لم يجدوا أي معاملة متحضرة من طرف النظام الجزائري وبالعكس فقد عوملوا معاملة سيئة، حيث أنهم تركوا للجوع والعراء في القرى المجاورة لمدينة تيزي وزو وفي المدن والقرى الجزائرية الأخرى سواء في جنوب أو شمال أو غرب أو شرق أو وسط البلاد.

وبهذا الخصوص فإن المراقبين السياسيين والاجتماعيين، وكذا الجهات المهتمة بأوضاع اللاجئين الأفارقة في الجزائر، قد لاحظوا أن هؤلاء اللاجئين لم يستفيدوا من الأموال التي يفترض أن الجمعيات الخيرية ومؤسسات غوث اللاجئين قد خصصتها لهم إلى جانب مخصصات المصالح المسؤولة بمنظمة الأمم المتحدة المعنية في العرف الدولي بتوفير الظروف المادية والنفسية المناسبة لهم وكذا حمايتهم من كل أنماط الجوع والتشرد والمرض.

وفي هذا السياق تفيد روايات حقيقية لشهود عيان أن اللاجئين الأفارقة، نساء ورجالا وأطفالا، قد تحولوا إلى متسولين رغم أن القوانين والأعراف الدولية تمنع ذلك، وترفض كل ما يمس بكرامة الإنسان اللاجئ. يبدو واضحا أن هذا السلوك السلبي تجاه اللاجئين الأفارقة هو ابن شرعي للسياسات الجزائرية التي تدير الظهر للقارة الأفريقية منذ سنوات طويلة جدا.

وفي الواقع فإن فشل الجزائر في بناء علاقات جادة ومثمرة مع القارة الأفريقية، في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والفنية والسياحية والأمنية، أمر لا يخفى على أي ملاحظ سياسي وطني أو أجنبي، وجراء ذلك فإنها لم تتمكن من اكتساب أي مكانة متميزة في الوجدان الأفريقي وخاصة لدى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر عهود تضامن حركات التحرر الأفريقية ضد الاستعمار الأوروبي. والعجيب في الأمر أن الجزائر الرسمية توظف الانتماء الأفريقي في اللعب السياسي التعسفي فقط لتحقيق أهداف ضيقة.

إن جميع الدلائل توضح أن الجزائر تتعامل مع أفريقيا باستخفاف، فهي لا ترجع، مثلا، إلى الأطر القانونية التي يقوم عليها الاتحاد الأفريقي في ما يتصل بعلاقات الجزائر الدولية

على المستوى الاستراتيجي لم تحسم الجزائر حتى يومنا هذا في أمر هويتها التي تختزل مرة بأنها مغاربية عربية، ومرة أخرى تصنف بأنها شمالية أفريقية، ويعني هذا أن النظام السياسي الجزائري المتأرجح لا يولي البعد الحيوي المتمثل في هوية الجزائر أي اهتمام له مصداقية تاريخية، وبذلك أصبح تعتيم الهوية الوطنية يمثل دون أدنى شك إخفاقا سلبيا مركزيا لسلوك النظام الجزائري الحاكم.

لا شك أن وجود الجزائر ضمن تركيبة ما يسمى مجازيا بالاتحاد الأفريقي لا يدخل جوهريا في صلب الإيمان العميق للسلطات الجزائرية بالعمق الأفريقي وبالعناصر التي تشكل معالم الهوية الأفريقية، تاريخا وثقافة وتقاليد، بل إن النظام الجزائري ينظر إلى وجوده ضمن الفضاء الأفريقي كمجرد وجود دبلوماسي شكلي في الغالب تهيمن عليه النزعة البراغماتية الغارقة في الأنانية والمصلحة الظرفية التي تتناقض كليا مع حقائق الجغرافيا والتاريخ.

إن جميع الدلائل توضح أن الجزائر تتعامل مع أفريقيا باستخفاف، فهي لا ترجع، مثلا، إلى الأطر القانونية التي يقوم عليها الاتحاد الأفريقي في ما يتصل بعلاقات الجزائر الدولية أو بإيجاد حلول متحضرة للمشكلات الكبرى التي تعاني منها القارة الأفريقية على مستوى الداخل الأفريقي، أو على مستوى العلاقات الدولية بشكل عام سواء في ما يتصل بالنزاعات الإثنية والعرقية أو الحدودية، أو حول المواقع الاقتصادية الاستراتيجية. وفضلا عن ذلك فإن النظام الجزائري لا يملك إطلاقا أي برنامج أو رؤية جزئية أو متكاملة يمكن أن تفعل العلاقات الأفريقية – الأفريقية وتؤدي بالتالي إلى تحقيق الاستقرار الأمني للقارة، وتعطي زخما لتقدمها المعرفي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والإعلامي.

إلى جانب ما تقدم فإنه لا وجود لمساهمة الجزائر في تحقيق السلم الاجتماعي في الدول الأفريقية، حيث يلاحظ أنها غائبة غيابا كاملا في المجتمعات الأفريقية ثقافيا واستثماريا وإعلاميا. إن غياب الجزائر عن المسرح الأفريقي، ماديا ورمزيا، يتأكد عندما ندرك أن حجم الاستثمار المالي الجزائري في القارة لا يتجاوز استثمار شركة صينية واحدة في دولة أفريقية منفردة. وفي هذا الصدد يقدم حمزة الكحال المتخصص في الاستثمارات الجزائرية في أفريقيا الصورة الحقيقة للفشل الجزائري في هذا المجال الحيوي بالقول “أين هي الأموال التي ستستثمرها الجزائر في أفريقيا؟

هذا هو السؤال الذي ظل يُطرح طيلة أيام المنتدى الأفريقي من طرف المشاركين والخبراء، فالجزائر تعيش ضائقة مالية أكثر من تلك التي عاشتها سنة 1994، حيث يُتوقع أن يصل العجز في الخزينة العامة إلى 30 مليار دولار هذا العام، فيما يُتوقع أن يصل العجز في الميزان التجاري إلى 18 مليار دولار. ويتساءل مراقبون حول كيفية فوز الجزائر بمشاريع ضخمة في أفريقيا، في وقت اقترضت فيه من البنك الأفريقي للتنمية مليار دولار، بالإضافة إلى قروض من السوق المحلية لتمويل المشاريع الكبرى”. ويضيف هذا الخبير مبرزا أن الواقع المر للاقتصاد الجزائري لن يسمح بتحريك عجلة التبادل التجاري الجزائري – الأفريقي الهزيل.

كاتب جزائري

9