لماذا فشلت السلطات الفرنسية في التصدي للتطرف؟

وزير الداخلية الفرنسي يقر بوجود تقصير في محاربة التطرف والإرهاب.
الثلاثاء 2019/10/08
تنبه فرنسي متأخر

إقرار وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير الأحد الماضي بأن الاعتداء الذي وقع داخل مركز شرطة العاصمة باريس ونفّذه أحد العاملين داخله، ألقى الضوء على “ثغرات” في تتبع المنفذ القريب من الإسلام المتطرف، هو إقرار يلخص ويختزل القصور الفرنسي في محاربة التطرف والإرهاب. تحول التطرف الإسلامي في فرنسا إلى صداع محلي مزمن، بعد أن استيقظت باريس على وجود الآلاف من الفرنسيين الذين انخرطوا في تيارات إرهابية، أو يحملون أفكارا متطرفة على الأقل. تيقظ متأخر، يضع فرنسا أمام حتمية التوفيق بين تقليل الأضرار المترتبة عن التطرف، وبين معالجة أسبابه.

 لماذا لم تتمكن السياسات العامة المنتهجة في فرنسا من الحد من ظاهرة التطرف الإسلامي المتعاظمة عموما، والوقاية من العنف الجهادي الذي يضرب البلد منذ العام 2010 على وجه الخصوص؟ كيف يمكن لشرطي فرنسي أن يتحول إلى جهادي إرهابي دون أن يثير الشكوك ويتمكن من المرور إلى الفعل ويقتل وزملاءه؟

في كتابه “من أجل اتقاء العنف الجهادي، مفارقات نموذج أمني” الصادر أخيرا في باريس، حاول رومان ساف، عالم الاجتماع والباحث في المعهد الوطني للدراسات العليا للأمن والعدالة، مقاربة هذه الإشكالية اعتمادا على ما توفر له من معلومات انطلاقا من الحوارات الستين التي أجراها مع السياسيين والخبراء الذين تدخلوا في رسم تلك السياسات التي حاولت احتواء التطرف وأحيانا مع الذين طبقوها على أرض الواقع.

فرنسا تجني ثمار عدم جديتها في مقاومة التطرف
فرنسا تجني ثمار عدم جديتها في مقاومة التطرف

يشير الكاتب إلى الصحوة المتأخرة للدولة الفرنسية في تصور إستراتيجية وقائية أمام ظهور الإرهاب الداخلي، ويذكر بأن رد الفعل الأوّلي كان سريا على الخصوص ولكنه كان حاسما من طرف كثير من الفاعلين من بينهم المحافظ يوهان جونو الذي حرر سنة 2013 تقريرا تحت عنوان “من أجل تنفيذ إستراتيجية وطنية للوقاية من انتشار التطرف”.

كما يشير الباحث إلى الدور الرئيسي لعائلات الشبان الذين التحقوا بتنظيم داعش في سوريا وكيف يصطدم هؤلاء الآباء والأمهات بعجز الدولة التي لا تزال تعتبر اعتناق الأصولية حرية من الحريات الأساسية.

يعرض الكاتب بشكل مفصّل “خطة الوقاية من التطرف ومرافقة العائلات التي تطرف أبناؤها”. الخطة المعتمدة في العام 2014 والتي تظهر جدتها في محاولة التصدي للتطرف في مهده بل قبل حدوثه من جهة، ومن جهة أخرى بعيدا عن الأسلوب القمعي والقضائي.

وبدأت الحرب ضد الفكر الجهادي بإنشاء منصة هاتفية تحت وصاية وحدة التنسيق ضد الإرهاب للإبلاغ عن أي علامة تطرف لدى الشبان والشابات وحتى عند المتقدمين في السن. وخلق خلايا على مستوى الولايات من أجل التكفل بالأشخاص المبلّغ عنهم وأفراد أسرهم واعتبارهم شركاء في عملية الوقاية من التطرف وكضحايا.

لكن بدل أن يؤدي هذا التصور إلى السيطرة والتحكم في ظاهرة التطرف حدث العكس بسبب العدد الكبير للأشخاص الذين يتم الإبلاغ عنهم، في حين أن أجهزة المخابرات لا تملك وسائل المراقبة الكافية. وهو الأمر الذي كشف عن أوجه القصور في السياسة الجديدة المنتهجة والتي كان الهدف منها طمأنة الفرنسيين قبل كل شيء.

وتم إطلاق مبادرات مختلفة لصياغة وقاية أخرى تهدف إلى إبعاد الذين تم التبليغ عنهم من طرف الخلايا الولائية عن التطرف السابقة الذكر. ومن أهم تلك المبادرات “مركز الوقاية والإدماج والمواطنة” في مدينة بومون اون فيرون، والذي كان تجربة فاشلة كشفت عن فشل سياسة إعادة المتطرفين إلى الطريق المستقيم.

ونظرا لضخامة العمليات الإرهابية وطبيعة الأشخاص والأماكن المستهدفة في البلد، بدأ ينظر المسؤولون إلى التطرف كعلامة على تفكك قاعدة القيم التي بنيت عليها الجمهورية الفرنسية. وانطلاقا من هذا، فإن محاربة التطرف يجب أن تمر، حسب تصورهم، من الآن فصاعدا بعملية إعادة ترميم الوحدة الوطنية. أصبحت ظاهرة التشدد الديني تبدو للمسؤولين، مع ازدياد عدد الذين يمسهم التطرف وانتمائهم إلى كافة شرائح المجتمع، وباء تصعب السيطرة عليه وبالتالي يستدعي مقاومة قوية وفعالة.

هذا التطرف الذي أصبح ظاهرا ومرئيا على الهندام وغيره، بات يغذي شعورا بالخطر لدى قطاعات واسعة من الشعب الفرنسي ويرى فيه البعض “طابورا خامسا” مهددا للكيان الفرنسي. وحاولت الحكومات المتعاقبة إشراك رجال الدين ورؤساء الجمعيات الإسلامية في سياسة الوقاية من التشدد، وهو ما رآه البعض مفارقة إذ بدا الإسلام سببا وحلا لمشكلة التطرف في آن معا. وهو استمرار لفكرة قديمة هي البحث عن خلق إسلام محلي فرنسي متوافق مع قيم الجمهورية وغير متأثر بالإسلام الوافد.

لا يمكن التغلب على التطرف والحد من عنفه ما لم ينظر إليه كأيديولوجيا سياسية قاتلة، وما لم يوضع حد للسموم التي يطلقها الإخوان بين المسلمين المقيمين في فرنسا

ولئن خرج الكاتب من متابعته لفلسفة مواجهة التطرف الديني الإسلامي في فرنسا بنتيجة مفادها أن ما يسمى بـ”محاربة التطرف” هو عمل مرتجل، فإنه لم يتطرق إلى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك، وأهمها تلك النظرة الفرنسية الخاطئة للتطرف باعتباره مشكلة اجتماعية وطبقية في حين أن للتطرف أساسا أيديولوجيا مكتوبا ينشره الإخوان المسلمون في المساجد والمراكز الإسلامية المنتشرة على التراب الفرنسي.

وهو ما تجنيه السلطات الفرنسية التي استغلت الإخوان قبل ذلك في ابتزاز أنظمة الحكم في بلدانهم بتقديمهم كمعارضين ديمقراطيين. ولم تكن تدري أنها كانت تلعب مع الأفعى. وقد أساءت تحليل طبيعة أيديولوجيا الإخوان المسلمين وأهدافهم المبيتة المعادية للحرية وحقوق الإنسان الكونية.

انخدع الفرنسيون بخطاب الإخوان التطميني التقوي المختلف تماما عن الخطاب الذي يوجهونه للناطقين بالعربية بفرنسا. في العام 1997 قال مرشد الإخوان الأسبق محمود مهدي عاكف “هدف الإخوان المسلمين هو إقامة دولة الإسلام العالمية. نحن المسلمون، نهاجر إلى كل مكان، ويبقى الطريق طويلا قبل أن نتمكّن من السيطرة على أوروبا”.

أما يوسف القرضاوي فهو يطلب من مسلمي الغرب التشبه باليهود وينصحهم بالانعزال، “قلت لإخواننا الذين يعيشون في البلدان الأجنبية حاولوا أن تخلقوا لكم مجتمعا صغيرا في المجتمع الكبير، وإلا فسوف تذوبون في الغرب كالملح في الماء. ما أنقذ الطابع اليهودي خلال القرون الأخيرة هو مجتمعهم الصغير الذي كان معروفا كغيتو يهودي. حاولوا أن يكون لكم غيتوكم الإسلامي الخاص إذن”.

ولم يكتف الإخوان بهذا بل تغلغلوا في قلب المؤسسات الفرنسية عن طريق موظفين متشددين يعملون في مختلف المرافق العمومية في فرنسا، كما تسلّلوا إلى السجون والشرطة والجيش والتربية الوطنية والجامعة والنوادي الرياضية ومترو الأنفاق والسكك الحديدية والنقل الحضري ومطارات باريس وشركات الحراسة والمستشفيات والحماية المدنية، وغيرها من المصالح والقطاعات الهامة حسب تقرير برلماني جاء تحت عنوان “الخدمات العمومية في مواجهة التطرف”.

لا يمكن التغلب على التطرف الإسلامي والحد من عنفه ما لم ينظر إليه كما هو، أي كأيديولوجيا سياسية قاتلة، وما لم يوضع حد للسموم التي يطلقها الإخوان المسلمون بين المسلمين المقيمين في فرنسا. ما لم يتم ذلك تبقى كل الحلول المقترحة عاجزة ما دامت تهتم بالأعراض لا بالداء نفسه. وأصل الداء هم الإخوان.

12