لماذا فشل طيران الغرب في منافسة طيران آسيا والخليج

دفعت الخسائر المتتالية أمام الناقلات الخليجية شركات الطيران الأميركية إلى رفع دعاوى قضائية لوقف ما اعتبرته هذه الشركات منافسة غير عادلة من قبل شركات أخرى تحظى بدعم حكومي. ولم توقف هذه المناوشات شركات الطيران الخليجية، التي تقول إنها تبتعد كثيرا عن استغلال أي دعم حكومي، في اختراق السوق الأميركية والأوروبية وتقديم خدمات السفر مصحوبة برفاهية لم تشهدها صناعة الطيران العالمية من قبل.
الثلاثاء 2015/11/24
الرفاهية جعلت الأوروبيين والأميركيين يديرون ظهورهم لشركاتهم التقليدية

لندن – رغم أن نتائج معظم استطلاعات شركات الطيران –وإن كانت في بعض الأحيان يشوبها شيء من التحيز- تصنف على مراتب شركات الطيران العالمية من حيث عدد الطائرات والخطوط والرحلات التي تسيرها، فإن الكثير من الخبراء يرى أن الخدمات المقدمة ومستوى الرفاهية على متن الطائرة هما المحركان الرئيسيان للتقدم في ترتيب شركات الطيران.

وتتباهي العديد من الناقلات الشهيرة بمستوى الخدمات الفاخرة التي تقدمها للمسافرين كالدرجات الممتازة والطعام عالي الجودة ووسائل الترفيه على متن الطائرة والعلامات التجارية للمواد التي تستخدمها عند تقديم المشروبات، بالإضافة إلى سخاء موظفي الطيران وتوفير كل وسائل الراحة.

ويدل ذلك على أن انطباعات المسافرين دائما ما ترتبط ارتباطا وثيقا بدرجة الكماليات التي تستطيع خطوط الطيران أن توفرها.

ونشرت مجلة “كوندي ناست” المتخصصة في رفاهية السفر قائمتها حول أفضل شركات الطيران في العالم، بعد أن قامت بإجراء مسح شمل 128 ألف قارئ.

وأظهرت النتائج أن الخطوط الجوية السنغافورية “سيا” هي الأفضل بالنسبة لقراء المجلة، إذ مازالت تحتل المرتبة الأولى على مدار 27 عاما.

وحازت “سيا” لفترة طويلة على سمعة جيدة باعتبارها واحدة من أفضل شركات الطيران في العالم، وكثيرا ما نالت نفس المرتبة في استطلاعات أخرى للرأي.

وبعد الخطوط الجوية السنغافورية مباشرة جاءت الخطوط الجوية القطرية، المعروفة بتقدمها في تسيير رحلات طويلة يقضي خلالها الراكب ساعات من الرفاهية.

ورغم احتدام المنافسة، ظلت الخطوط الجوية السنغافورية في المقدمة. ويكمن الفارق في أن سيا التي تمتلك طاقما يتمتع بتدريب جيد على كيفية تلبية احتياجات الراكب، وصلت إلى درجة من النضج الناجم عن مثابرة طويلة للحفاظ على التميز.

هيمنة الطيران الآسيوي والخليجي

هيمنت شركات الطيران الآسيوية والخليجية على المراتب العشر الأولى في ترتيب “كوندي ناست”، إذ لم تتواجد شركات الطيران الخليجية في المراتب الثلاث الأولى فحسب بل سيطرت على سبع مراتب من بين العشر الأوائل. واحتلت شركات الطيران الخليجية الكبرى مثل طيران الإمارات وقطر إيروايز والاتحاد المراتب الثانية والثالثة والخامسة على التوالي.

وحازت شركات طيران آسيوية أخرى على مراتب متقدمة في قائمة كوندي ناست مثل شركة الخطوط الجوية اليابانية (6)، والخطوط الجوية الكورية (7)، وكاثي باسيفيك (10).

كان الاعتقاد أن أكبر ما يمكن أن تقدمه محطات نقطة المنتصف في الخليج هو خدمة التزود بالوقود، لكن هذا الاعتقاد تغير الآن

وتعني هيمنة الشركات الآسيوية والخليجية بالضرورة استبعادا صارخا لشركات الطيران في مناطق وقارات أخرى. إذن كيف غابت شركات أوروبية كبرى، مثل الخطوط البريطانية والخطوط الفرنسية، في الوقت الذي حلت فيه الخطوط السويسرية في المرتبة السابعة عشرة والفنلندية في المرتبة العشرين؟

وكيف امتد هذا الغياب إلى الناقلات الأميركية التي لطالما خدمت سوق السفر في أكبر اقتصاد في العالم؟

يقول محللون متخصصون في صناعة الطيران إن شركات الخليج عكفت طويلا على دراسة مقاربة النقل الرخيص التي تعتمدها شركات أوروبية كـ”إيزي جيت” و”راين إير” وحققت نجاحا ملحوظا. وأضافوا “التقطت الناقلات الخليجية الخيط لتطبيق هذه المقاربة وخلق شركات تتبع نفس الاستراتيجية لكن في مجال النقل بعيد المدى”.

ولم تختف الشركات الكبرى المعروفة سابقا من على مؤشر أفضل شركات الطيران، وإنما طغت الأضواء التي أضفتها الناقلات الخليجية الكبرى على صناعة السفر بشكل ملحوظ.

وفي السابق كانت شركات الطيران التقليدية تنتهج أفكارا احتكارية على الرحلات الطويلة، وكان ينتشر بين أروقتها اعتقاد واسع بأن أكبر ما يمكن أن تقدمه محطات نقطة المنتصف في منطقة الخليج هو خدمة التزود بالوقود وخدمات الإقامة، بالإضافة إلى خدمات لوجستية أخرى.

لكن دول الخليج التي استثمرت بشكل كبير في صناعة الطيران، وتمكنت من امتلاك طائرات النقل الكبيرة (عريضة البدن) وطويلة المدى تمكنت من تحويل محطات التوقف في دبي وأبوظبي والدوحة ومسقط والبحرين إلى نقاط انطلاق لخدمات الربط بين الشرق والغرب.

ولأن الدول الخليجية تستطيع توفير خدمات رخيصة الثمن عبر انخفاض أسعار العمالة وتأجير الأرضيات داخل المطارات الهامة، فقد تحول هذا الفارق في السعر، الذي ظل كبيرا لسنوات، إلى خدمات برفاهية عالية أثناء الطيران وفي المطارات الكبرى.

وساهمت الرفاهية، التي ضخت الشركات الخليجية مبالغ كبيرة للاستثمار في الوصول إليها، في حدوث قفزة كبيرة في ترتيب شركات تصنف على أنها حديثة العهد نسبيا كشركة الاتحاد الإماراتية.

الشركات الخليجية حولت الفروق في الأسعار إلى جودة غير مسبوقة

واختفت تماما شركات الطيران الأميركية من على مؤشر الشركات الأكثر رفاهية ومن ثم أكثر شعبية بين المسافرين.

وأثبت الغياب الملحوظ للشركات الغربية بشكل عام أن ثقافة الخدمات الراقية تحظى بشعبية أكبر لدى شركات الطيران الآسيوية والخليجية التي تواصل ضغطها على منافسيها في السباق. وطغى على الناقلات الخليجية سلوك مغاير لشركات الطيران الحكومية الأخرى، إذ اعتمدت سياسات محايدة، وتحاشت بقدر كبير الحصول على دعم حكومي مباشر وضبطت تصرفاتها المالية على وقع الانفتاح الاقتصادي الذي تتبناه حكومات الدول التابعة لها.

ويقول محللون ومتخصصون في مجال الملاحة الجوية إن الناقلات الخليجية “تمتعت بمزيج ناجح من الإدارة عالية الكفاءة وأجواء ليبرالية تتحكم في انفتاحها بوتيرة أسرع بكثير من أغلب الناقلات الأخرى”.

وكان الهدف الرئيسي للناقلات الخليجية هو الحصول على مكانة بين أكبر شركات الطيران في العالم عبر خوض منافسة اقتصادية شرسة.

وكان الاستقرار والاستدامة التجارية هما مفتاح نمو الشركات الخليجية المتواصل.

وأقدم هذه الشركات طيران الإمارات التي تأسست قبل أكثر من ثلاثين عاما.

وعند الاحتفال قبل نحو ثلاثة أعوام بذكرى التأسيس الثلاثين للشركة، كانت طيران الإمارات تحتفل أيضا بمرور 28 عاما متواصلة دون تحقيق أي خسائر.

وفوق ذلك ساهمت طيران الإمارات، أكبر شركات الطيران في الشرق الأوسط، في إضافة 2.5 مليار دولار إلى موازنة إمارة دبي.

وحذا لاحقا حذو طيران الإمارات كل من خطوط الاتحاد المملوكة لإمارة أبوظبي والخطوط الجوية القطرية أيضا.

ولم تبذل الناقلات الخليجية قصارى جهدها خلال الأعوام الماضية للتوسع فقط، وإنما اتبعت نهجا يعنى كثيرا بالتطوير ورفع مستوى الخدمات.

وكانت طيران الإمارت أول شركة تطبق أنظمة الاتصالات من الجو إلى الأرض، وأول شركة أيضا تقدم خدمات إجراء الاتصالات الهاتفية من الطائرة، وكانت من أول الشركات التي تدخل طائرات إيرباص من طراز “إيه 380 و777 اكس” ، بالإضافة إلى كونها أول شركات طيران تطلق رحلات مباشرة ودون توقف من منطقة الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية.

حرب الأجواء

اتهمت مؤخرا شركات الطيران الأميركية عمالقة الطيران في الشرق الأوسط بأنهم يعتمدون منافسة غير مشروعة نظرا لتلقيهم دعما من الدولة.

ويقول محللون اقتصاديون إنه من غير الصحيح أن استثمار الحكومات الخليجية في شركات الطيران التي تسيرها أثر بشكل مباشر على طبيعة التنافس مع الشركات الأميركية، إذ مازالت شركات الطيران الخليجية تحقق أرباحا كبيرة مقابل تضاؤل أرباح الشركات الأميركية.

وتقول الناقلات الأميركية ونقاباتها العمالية إن شركات طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط القطرية تلقت دعما حكوميا يزيد على 40 مليار دولار من حكومات بلدانها في السنوات العشر الماضية.

وأضافت أن ذلك أتاح للناقلات الخليجية خفض أسعار تذاكرها وإخراج منافسيها من أسواق رئيسية. لكن شركات الطيران الخليجية نفت بشدة تلك المزاعم وقالت إن الشركات الأميركية تخسر حصتها في السوق بسبب تدني خدماتها. وسخرت من الاتهامات قائلة إن من السهل دحضها، لأنها لم تتلق أي دعم مجاني، بل استثمارات من قبل مساهميها من الحكومات الخليجية.

ولا تبدو شركات الطيران في أميركا الشمالية غير فعالة تماما، لكنها تفتقر إلى اللمسات الفنية التي تميز منافسيها. وتكبدت شركات الطيران الأميركية خسائر كبيرة منذ قرار الشركات الخليجية تسيير رحلات إلى داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسها الخطوط الجوية القطرية.

وبدأ الكثير من المسافرين الأميركيين يفضلون السفر على الخطوط الجوية الخليجية بدلا من الخطوط الأميركية التي تفتقر إلى الكثير من الخدمات التي توفرها بنفس الأسعار تقريبا نظيرتها الخليجية.

الرفاهية تعزز مواقع الشركات

وتفتخر شركة الاتحاد للطيران بأنها تمتلك جناحا للـ”إقامة” يحتوي على غرفة نوم وحمام خاص مع دش وصالة على متن طائراتها من طراز إيرباص ايه 380. وتوفر الاتحاد للطيران خدمة “كونسيرج” التي تمنح الراكب فرصة الحجز لتناول العشاء عند الهبوط، وتقدم بعض شركات الطيران خدمات النقل بسيارة ليموزين من باب الطائرة إلى المطار.

وتجعل هذه الخدمات الشركة تقتصر على سوق أصغر إلا أنها أكثر ربحا من العدد الكبير للمسافرين الذين يشكلون العمود الفقري للشركات الأخرى.

ومن بين الأمثلة على التنافس في توفير خدمات أكثر رفاهية، خدمة “سكايكوش” التي توفرها الخطوط الجوية النيوزيلندية، وهي عبارة عن سرير مزدوج يمكن أن يتحول إلى ثلاثة مقاعد والعكس.

وبالنسبة لشركات الطيران الخليجية، التنافس بين كبار الخطوط الجوية الإماراتية والقطرية والاتحاد للطيران هو أمر تحدثت عنه معظم استطلاعات الرأي العالمية.

13