لماذا فضائيات جديدة

الأربعاء 2016/01/27

مازلنا نسمع بافتتاح فضائيات جديدة تنطلق من هذا البلد أو ذاك، بالرغم من وجود حوالي ألف قناة تلفزيونية تبث برامجها للمشاهد العربي، قنوات عربية المنشأ والإدارة والبرمجة وقنوات غير عربية المنشأ “تعرب” برامجها نطقا أو كتابة أسفل الشاشة، ولا يخلو بلد عربي الآن من العشرات من القنوات التلفزيونية المحلية المتشابهة في بنيتها البرامجية.

ويأتيني بين حين وآخر أشخاص يطلبون مشورتي عن كيفية تأسيس وإطلاق فضائية تلفزيونية، وهم غالبا ليسوا إعلاميين ولا يعرفون الكثير عن متطلبات البث التلفزيوني لا تقنيا ولا برامجيا ولا انتاجيا!!

وليس لديهم فكرة واضحة عما حدث من تطور تقني في وسائل وتشابك البث التلفزيوني مع الإنترنت وخدمات الكمبيوتر والموبايل حيث أصبح الهاتف المحمول وسيلة استقبال وبث كاملة!

وقد لاحظت أن أصحاب مشاريع تأسيس قنوات جديدة قد يأتون مسلحين بمعلومات خاطئة وتصورات وهمية سمعوها من بعض مدعي المعرفة بخصائص البث التلفزيوني الفضائي .. ويجلسون يناقشونني بها ويصرون عليها وعلى صحة ما لديهم من معلومات غير واقعية ولا علمية.

ولا أدري لماذا في مثل هذه المواقف أتحلى بهدوء و”طولة بال” غريبين، وأبدأ بمحاولة التعرف على أفكار وتصورات الضيوف الذين أتوا لأساعدهم في تأسيس قناة فضائية تلفزيونية، فأسأل عن السبب الذي دفعهم إلى التفكير بالفضائية وما هي أهدافهم من ورائها، وماذا يريدون أن يقولوا من خلال برامجها ولمن هي موجهة، وغالبا ما تكون أجوبتهم متشابهة وهي عبارة عن تخيلات وأحلام وردية ورغبات بالدخول في عالم الإعلام والفن وما فيه من جاذبية وتشويق وتباه … أما إذا كان وراء المشروع جهة سياسية حزبية أو دينية فالجواب واضح؛ إنهم يريدون القناة منبرا لذلك الكيان ومبادئه..

بعدها أحاول أن أعرف من ضيوفي ما هي تصوراتهم عن تكاليف إنشاء وإطلاق قناة فضائية، ومن ثم تكاليف التشغيل بعد التأسيس؟ وهنا تأتيني أجوبة في معظمها لا تنطبق على الواقع ويظهر بوضوح أنهم تلقوها غالبا من أشخاص لديهم معلومات تعوزها الدقة استقوها من مسموعات متداولة عند أنصاف المهنيين، وبعضهم يذكر أرقاما منخفضة جدا ربما ليختبر مصداقيتي أو ليرى ما إذا كنت أريد أن “أسرقه” .. خاصة وأن رجال الأعمال والتجار من خلال تجاربهم مع بعضهم البعض يؤمنون أن لا أحد يقدم خدمة أو نصيحة دون أن تكون له مصلحة من ورائها أو عمولة…

بعدها ننتقل إلى المحور الثالث؛ وهنا أحاورهم عن تصوراتهم عن كيفية الحصول على القوى البشرية المهنية والمهارات اللازمة تقنيا وإنتاجيا وإدارة، ثم عن ماهية البرامج التي ستقدم على شاشاتهم، وما هي القناة القدوة التي يتمنون أن تكون قناتهم القادمة على شاكلتها، وغالبا ما يذكرون أسماء فضائيات عربية متقدمة وبارزة بإمكانيات تقنية ومالية واضحة على شاشاتها!!

وتتلعثم الألسن وتختلط الكلمات وتتحول إلى تأتأة وحروف مبهمة عندما أطرح سؤالي “الخبيث”: باعتقادك؛ ما الذي سيجذب المشاهدين إلى قناتك ويتركون القنوات التي اعتادوا عليها وأحبوها.. بماذا ستتميز قناتك الجديدة عن غيرها، وما هي البرامج التي ستعرضها كي ينجذب إليك المشاهدون!! من الذي سيضع لك الأفكار ويكتب لك البرامج ويخرجها ويقدمها للجمهور؟

وغالبا ما ينتهي لقائي سلبيا مع أصحاب النوايا لتأسيس فضائيات فينسحبون على أمل العودة بعد التفكير بالمشروع وتأمين متطلباته المالية والمهنية، ولكنهم لا يعودون طبعا، وأسمع أنهم اتفقوا مع أشخاص لم يعقدوا عليهم الأمور كما فعلت أنا بنصائحي الزائدة عن اللزوم، فأسسوا قناة بأبسط الشروط والمتطلبات، لا يكتب لها غالبا النجاح أو الاستمرار في فضاء، تسبح فيه قنوات من مختلف الأصناف تواكب ما يطرأ من تطور تقني وفني وبرامجي بسرعة متزايدة، فيجعل التنافس صعبا ويتطلب من أصحاب المشاريع الجديدة أن يفكروا أين سيكون موقع قناتهم، وما هو تصنيفها!!

18