لماذا قاطع الفنانون المصريون معرضهم العام

انتقد الكثير من الفنانين المصريين غياب وزير الثقافة المصري حلمي النمنم عن افتتاح فعاليات المعرض العام للفنون التشكيلية الذي يقام حاليا في قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، ويعدّ المعرض العام الذي تستمر فعالياته حتى منتصف أكتوبر القادم واحدا من أهم الفعاليات الفنية الجماعية للفنون التشكيلية في مصر، ويقتصر العرض فيه على الفنانين المصريين، ويعدّ حضور وزير الثقافة تقليدا سنويا تم اتباعه منذ سنوات، وهذه المرة هي من المرات القلائل التي يغيب فيها الوزير عن مثل هذا الحدث، مما دعا الكثير من الفنانين إلى اعتبار سلوكه معبّرا عن عدم اكتراث بالفنون التشكيلية.
الجمعة 2017/09/29
أعمال جادة لكنها مهملة

القاهرة – غالبا ما يثار الجدل حول المعرض العام للفنون التشكيلية بمصر في كل عام كونه الفعالية الوحيدة التي من المفترض أنها متاحة لكافة الفنانين المصريين دون استثناء، إذ تتجدد المطالب نفسها بتغيير اللائحة التي يتم على أساسها اختيار الفنانين المشاركين، غير أن هذا العام شهد حملة غير مسبوقة لمقاطعة هذا المعرض السنوي قادها عدد من الفنانين معتبرين أن المعرض العام الذي من المفترض أن يكون مرآة حقيقية للفن المصري يتبنّى نظاما غير عادل وغير مفهوم باتباعه طريقة الدعوات المباشرة جنبا إلى جنب مع طريقة الفرز، وهو ما وصفه البعض بالازدواجية في التعامل مع الفنانين، فهناك فنانون يخضعون للجنة الفرز، بينما يعفى آخرون من الخضوع لهذه اللجنة.

وفي نفس الوقت الذي يرى فيه البعض ذلك، وخاصة من جيل الشباب، هناك آخرون يرون أن هذه الدعوات ضرورة ولا بد منها، ومن هؤلاء على سبيل المثال الفنان محمد عبلة، إذ يرى أنه لا يصحّ أن يرسل كبار الفنانين أعمالهم إلى لجنة فرز للحكم على أعمالهم بالرفض أو القبول، وقرر من جانبه مقاطعة المعرض إذا لم تصله دعوة رسمية من رئيس القطاع. ويرى عبلة أن المعرض العام يجب أن يكون مقتصرا على الفنانين الذين قدّموا نتاجا مؤثرا خلال العامين الماضيين، لا أن يكون مفتوحا للجميع، الفاعل منهم وغير الفاعل، المؤثر وغير المؤثر، فالمعرض ليس احتفالية فنية كما يحب البعض أن يطلق عليه، بل يجب النظر إليه كانعكاس للحركة الفنية المصرية خلال زمن محدد.

أما الفنان أيمن لطفي، وهو أحد المصورين الفوتوغرافيين المصريين البارزين، والذي قرر المشاركة في المعرض العام، يلفت الانتباه إلى ما تتعرض له الفوتوغرافيا من ظلم ناتج عن عدم دراية اللجنة المشرفة بالتطورات التي طرأت على ذلك الفن حول العالم مما أفقد الأعمال المقدمة حيويتها، وهو يرى أن معظم الأعمال الفوتوغرافية المعروضة هي أعمال دون المستوى، ويبدي أسفه الشديد لعرض عمله ضمن هذه الأعمال التي يصفها بالسيئة.

وقاد عملية المقاطعة للمعرض العام الفنان محمد المصري، والذي يرى أن المعرض العام قد فقد جزءا أصيلا من طبيعته، إذ لم يعُد مواكبا للمستجدات المعاصرة على الساحة الفنية في مصر، فهو يكاد يكون مقتصرا على الأعمال ذات الطبيعة الكلاسيكية في الممارسة الفنية.

ويرى المصري أن البيان الذي تم توقيعه من قبل عدد كبير من الفنانين أغلبهم من الفنانين الشباب لا يمثّل هجوما على شخصيات أو أفراد بعينهم، بقدر ما هو تسجيل موقف واعتراض على الآليات التي يتم بها تنظيم تلك الفعاليات الفنية والثقافية من خلال تلك المؤسسات.

أيمن لطفي: الفوتوغرافيا مظلومة نتيجة عدم دراية اللجنة المشرفة بتطورات القطاع

ويقول المصري “نحن نلفت الانتباه فقط حتى تتم مناقشة الأمر على نطاق أوسع وأكثر شمولا، ونحاول أن نجد الحلول والآليات الجديدة معا، فالفنان أو المثقف هو طرف أساسي في المعادلة، ولا تقوم الدولة أو المؤسسة الثقافية بإنتاج الفنانين أو المثقفين، بل من المفترض أنها تتعامل معهم وفق منظومة تحترم الآخر، كما تحترم حرية الاختلاف بشكل أساسي”.

وعن الأسباب التي دعتهم إلى إصدار هذا البيان يقول المصري “هناك أسباب كثيرة، منها على سبيل المثال فقدان المعرض العام للتواصل الزمني مع ما يحدث في العالم المعاصر الآن، وكذلك الازدواجية في دعوة الفنانين للمشاركة في هذا الحدث، والتي تعدّ إهانة مباشرة لعموم الفنانين. ومن الأسباب أيضاً طريقة الاقتناء التي تتبناها الدولة من خلال المعرض، وهي أموال تُدفع من المال العام، ويتم توزيعها عادة على الأصدقاء والمعارف من داخل الوسط، وعليه يصبح باقي المشاركين عبر لجان الفرز مجرد ديكور لتجميل باقي جدران قاعات العرض وضبط إيقاع المعرض”.

ويضيف المصري “نحن لا نفهم تلك الازدواجية في معايير الاختيار، فإذا كانت الدولة تريد تكريم عدد من الفنانين لأي سبب فليكن هذا معلنا وبشكل مباشر، ولكن أن يتم هذا التكريم على حساب باقي الفنانين فهو أمر غير مقبول، والهدف من هذا البيان كما أسلفنا هو تسجيل موقف بالامتناع عن المشاركة في أحداث تحمل ضبابية وتحيّزا في نظام المشاركة، وأيضا مواجهة الازدواجية في المشهد الثقافي، فقد فاض الكيل من الفنانين منعدمي الموقف والباحثين عن أي مكاسب شخصية على حساب الصالح العام”.

ويرى المصري أن الموقف الشخصي بعدم المشاركة في صمت هو موقف بلا أهمية وغير مؤثر، فالتحركات الجماعية مؤثرة وهامة جدا، إذا كانت واضحة ومحددة وقابلة للنقاش.

أما الناقد المصري صلاح بيصار فقد أعلن اعتراضه على فكرة المقاطعة التي أقدم عليها بعض الفنانين، لكنه لم يُخف أيضا تعاطفه مع أسبابها، حيث يرى أن المقاطعة لن تفيد في شيء لأن نسبة المقاطعين ليست كبيرة، وبالتالي غير مؤثرة، وبدلا من ذلك يجب البحث، كما يقول، عن وسائل أخرى بديلة لإيصال أصوات المعترضين غير أسلوب المقاطعة، فالمؤسسة الرسمية لا تستجيب للضغوط مهما كانت، بل على العكس تماما تزيدها تلك الضغوط عنادا على عنادها.

17