لماذا قتلتها

الخميس 2015/10/01

لماذا قتلتها؟ هكذا قلت في نفسي بلغة صادمة لكنّها صادقة. ما مبرر هذه الفعلة التي لو كانت هناك عدالة تشمل التفاصيل الدقيقة لتوقعت جرّاءها عقابا مستحقا؟ هل كنت أملك سببا كافيا لكي أنهي حياتها بتلك الطريقة الشنيعة؟ ألا أكون قد ظلمتها ظلما كبيرا؟

هكذا تساءلت مع نفسي بعد أن نهضت من مكاني ودعستها دعسا عنيفا بواسطة الحذاء، ثم عدت إلى الطاولة وجلست بدم بارد أتصفح الصحيفة اليومية على طريقة الجناة الاحترافيين، لكن سرعان ما استبدّ بي السّؤال، لماذا أصررت على دعس حشرة صغيرة لا حول لها، ولا يوحي مظهرها بأي نزوع عدواني؟ لقد بدا لي شكلها مقرفا بالفعل، لست أنكر هذا، غير أنّ الشعور بالقرف مشكلتي لا مشكلتها.

وبعد هذا، ألا يحيل القرف إلى بقايا الغرائز الحيوانية التي ورثناها عن الثدييات؟ وهل يكون ذلك القرف الغامض سببا معقولا لدعس حشرة مسالمة؟ كل ما أعرفه أن تلك الحشرة كانت غريبة الشكل بحيث أثارت في نفسي مشاعر الحيطة والتوجّس، لكن هل يجوز لي أن أعدمها لمجرّد الشك والشبهة؟ لماذا أصررت على عدم العودة إلى طاولتي إلاّ بعد دعسها بقسوة والتأكد من موتها والتصاقها بالأرض؟ هل ثمة أدنى شرف إنساني في مثل هذا القتل المجاني لحشرة قد تبدو مقرفة لكن الدعس لم يزد منظرها إلا قرفا؟

لقد أعدمتها على الأرجح جرّاء النفور الغريزي من الأشكال الغريبة التي قد تكون مريبة قبل الاستئناس بها. وبلا شك، يحتاج الاستئناس لوقت وجهد وتمرّن وترويض، وقد لا ننجح فيه دائما.

لقد سبق لسبينوزا أن قال إننا لا نولد مواطنين لكننا نتعلم ذلك. وكذلك في التفاصيل، يمكننا القول إننا لا نولد قادرين على التساكن والتساهل لكننا نحاول أن نكتسب ذلك السلوك ونتعلمه. ويحتاج التعلم إلى تمارين يومية متواصلة، قد ننجح في بعضها وقد نخفق في بعضها الآخر. الأمر واضح الآن، لقد كان دعس تلك الحشرة بالنسبة إلي إخفاقا مريبا. لعل الأمر يحمل بقايا خوف بدائي من الأشكال الغريبة، المجهولة، غير المألوفة، والتي يظنّ الحس المشترك “البدائي” أنها تحمل شرا مستطيرا أو دنسا كبيرا. لقد أخفقت في تمرين قد يبدو بسيطا بمقاييس مآسي الحياة الإنسانية، لكنه بمقاييس الشرط الإنساني تمرين على قدر كبير من الأهمية.

إنه الخوف إذا. الخوف هو الدافع إلى دعس تلك الحشرة سيئة الحظ. على الأرجح لو أني امتلكت في تلك اللحظة قدرا قليلا من الشجاعة والشهامة لما قتلتها. ألا يكون الخوف بهذا المعنى هو الدافع الأول إلى القتل والعنف والكراهية؟

بعد العودة إلى طاولتي فهمت لماذا كان فلاسفة اليونان يعتبرون الشجاعة أم الفضائل؛ ببساطة لأنّ الخوف منبع الرذائل جميعها. أحيانا أقول في نفسي، طريق الإنسان نحو الإنسان لا يزال طويلا. لكني أفهم أيضا بأن هذه العبارة تحتمل الكثير من التفاؤل.

24