لماذا لا تحب مريم اسمها

الخميس 2015/11/12

في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة تعرفت إلى مريم. كنت أجلس مع مجموعة من الأصدقاء في أحد مقاهي وسط البلد عندما اقتربت مني فتاة صغيرة عمرها لا يتجاوز 9 سنوات، لتطلب مني “ربع جنيه”، لماذا ربع جنيه تحديدا، لا أعرف؟

سألتها عن اسمها فقالت: مريم. الله، اسم جميل جدا. لطالما تمنيت أن تكون لي ابنة بهذا الاسم. لكن مريم لا تحب اسمها، وتفضل عليه اسم: ذكرى.

عيناها تشعان ذكاء، ملابسها نظيفة مقارنة بباقي الأطفال الذين التقيتهم في شوارع القاهرة يتسولون هنا أو هناك، يمسحون السيارات أو يبيعون المناديل. ضحكتها جميلة جدا، صافية برغم كل الشقاء الذي يبدو على وجهها، وشعرها نقي، مرسل على كتفيها في خصلات ناعمة رقيقة.

قلت: تعالي لنأخذ صورة معا، ثم أعطيك الربع جنيه. فقالت: أمي أخبرتني بألا ألتقط صورا مع غرباء. قلت: أمك تقصد بالتأكيد الرجال، أما نحن، “فستات زي بعض”، ضحكت ضحكتها الجميلة الصافية وقالت “صح”. قبل أن تقترب مني ونأخذ الصورة معا.

الصورة الآن أمامي وأنا أفكر: لماذا لا تحب مريم اسمها؟

عندما حملت بابني الثاني، تخيلت لأشهر أنني حامل بطفلة، اخترت لها من الأسماء “مريم”، واشتريت ملابس زهرية مغطاة بالورود، وعندما ذهبت لأخذ صورة الأشعة وأخبرتني الطبيبة أنني حامل بطفل ذكر للمرة الثانية لم أصدقها، ولم أرم الملابس، متخيلة أن الطبيبة قد تكون أخطأت، لأن إحساسي بالبنت التي في بطني كان أقوى من أن تكذبه الأشعة.

ابني الآن عمره 9 سنوات، أي في نفس سن مريم واسمه يوسف.

عندما ضحكت لمستني في قلبي، تخيلت أنها الابنة التي حملت بها لأشهر ولم أنجبها، أو ربما حملت بها أنا لتنجبها امرأة أخرى، أقصد هذه مريم التي رغبت فيها كثيرا، ابنة قلبي ضائعة في شوارع القاهرة تطلب “ربع جنيه” من كل عابر غريب.

حاولت أن أقنع مريم بأن اسمها جميل لكنها طوحت برأسها يمينا ويسارا قائلة، أحب ذكرى أكثر. هل لأن الذكرى ماض عابر؟، هل لأنها تريد أن تبقى في وجدان ومخيلة كل من تمر به؟ هل كانت تريد أن تقول: أنا ابنتكم التائهة في الشوارع لا تنسوني؟

رأيت أطفالا كثيرين في مدن كثيرة يقطعون الشوارع بين السيارات ويقيمون تحت الجسور والقناطر ويفترشون الأرض والكراتين ويستهلكون المواد المخدرة ويدخنون، رأيت ذلك في الدار البيضاء والقاهرة وتونس وعمان ومدن أخرى، وكنت دائما ألاحقهم بعيني متخيلة أن أما أو أبا ينتظرهم على الجهة الأخرى من الشارع، فعقلي لم يكن أبدا يستوعب أن هذه الكائنات الهشة الرقيقة بلا أهل ولا مأوى ولا أكل ولا نصير لها.

ثمة شيء خطأ في هذا الكون، فمريم لا يجب أن تكون في الشارع وحيدة ومعزولة وخائفة، مريم مكانها في قلوبنا، في أجمل الذكريات التي نحملها عن أنفسنا والعالم. مريم ابنة الروح، ابنة المحبة لا يجب أن تمد يدها في المقاهي والأرصفة. لا شيء أكثر ألم من منظر طفل صغير مشرد، لا شيء يقهر أكثر.

منحتها القليل من المال وتابعتها بعيني وهي تجري مبتهجة، تابعت مريم التي حملت بها أشهرا واشتريت لها الملابس، وهي تضيع مني مجددا في شوارع القاهرة، وتغيب بين الزحام، تابعتها وهي تبتعد وتغيب شيئا فشيئا لتتحول إلى.. ذكرى.

21