لماذا لا تحرض إيران السنة، ولا تدعم السعودية الشيعة

في ظل هذا التعقيد الذي تعيشه المنطقة العربية والإسلامية على أكثر من صعيد ولا سيما على مستوى الحروب والتوترات التي تكاد تعصف بالعديد من الدول العربية، يتنزل الخلاف السعودي الإيراني الذي اتسعت دائرته في الآونة الأخيرة في تصعيد عمق التنافس بين الدولتين على النفوذ في الشرق الأوسط، معتمدا في ذلك على صراع بين شقي العالم الإسلامي سنة وشيعة، ينذر إلى دخول الشرق الأوسط في حرب دينية طويلة الأمد.
الجمعة 2016/01/08
المنطقة كلها ستدفع الثمن

بات مؤكدا أنه لم يعد للصراع المحتدم بين السعودية ودول خليجية وعربية من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى علاج قريب، كما لم تعد هناك أي مسلمات ثابتة لبناء أي حلول مستقبلية مستقرة وطويلة الأمد عليها.

الشيء الوحيد المؤكد أن ما يجري في المنطقة الآن هو صراع تستخدم فيه كل الوسائل المتاحة لفرض هيمنة سياسية عليها. لكن هذا الصراع يتخفف من طابعه السياسي كلما قلت تراتبية المتعاطين معه والممارسين له بشكل يومي.

فالميليشيات الشيعية التي تفرض نفوذ إيران في العراق لا تنظر إلى التنافس بين طهران والرياض على هذا النحو الذي يراه الدبلوماسيون مثلا في البلدين، لكن ممارساتها أثناء المعارك التي تخوضها لطرد تنظيم داعش من المناطق السنية تعكس هيمنة عقلية طائفية فجّة على هؤلاء الذين يحملون السلاح ويسومون كل يوم عراقيين آخرين سوء العذاب لمجرد أنهم سنة.

يحول نفس اللاشعور الطائفي أغلب الشيعة إلى الاحتماء بميليشيا حزب الله أيضا في لبنان، والدخول تحت جناحه داخل مناطق معزولة في جنوب البلاد أو في الضاحية الجنوبية ببيروت في ما يشبه الغيتوهات. تضيق هذه الغيتوهات وتتسع باتساع الدولة أو الرقعة الجغرافية التي تقطنها طائفة تمثل الأقلية في مواجهة أغلبية من طائفة أخرى.

من ثم صار يقينا أن المنطقة تنحدر تدريجيا نحو حرب لمدة ثلاثين عاما تشبه في ملامحها ومعطياتها وربما نتائجها الحرب بين الدول الكاثوليكية والدول البروتستانية من أجل السيطرة وكسب النفوذ في أوروبا خلال القرن السابع عشر.

اشتعلت هذه الحروب ببساط لأن الكنيسة التي تعتنق المذهب البروتستانتي ارتأت أن الكنيسة الأخرى التي تعتنق المذهب الكاثوليكي تمارس سلطات دينية مجحفة واستبدادية ودموية، بينما شعرت الكنيسة الكاثوليكية بأن قبضتها على زمام السياسة والدين في أوروبا بدأت في الارتخاء شيئا فشيئا، فاستغلت كلتاهما حركة الإصلاح الواسعة بقيادة مارتن لوثر كي تدخلا في اشتباك مروع راح ضحيته قرابة 8 ملايين شخص.

بعد ذلك بأربعة قرون ونصف القرن صارت لدينا في منطقة الشرق الأوسط حركة إصلاح مماثلة إلى حد ما، وإن لم تكن دينية، عُرفت بـ”الربيع العربي”، سرعان ما تحولت إلى حروب دامية في سوريا واليمن وليبيا وساهمت في عودة نجم التطرف الإسلامي الطائفي مرة أخرى إلى الصعود.

لماذا لا تشكل السعودية فصائل شيعية لقتال الأسد، ولماذا لا تخلق إيران كيانا سنيا يقاتل ضد الفصائل السنية المعارضة له

حروب دينية مرتقبة

الآن يمكن سماع مثقفين ومفكرين سوريين وعراقيين يتحدثون بنفس اللغة ويلجؤون إلى نفس المفردات الطائفية التي يستخدمها المقاتلون في قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية العراقية أو ضمن فصائل المعارضة السورية وبعض المتشددين المتحالفين مع داعش من السنة العراقيين. حتى في اليمن، صار حديث “السنة والشيعة”، كما قال لي مؤخرا دبلوماسي يمني، هو من يحكم المجال العام منذ ما قبل انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.

إذا كان الصراع بين قادة المعسكرين سياسيا يهدف فقط إلى حماية مصالح الجانبين أو تحقيق المزيد منها، على عكس هؤلاء الأوروبيين الأغبياء الطائفيين الذين قادوا حربا دينية باسم الله أبادوا فيها أبناء جلدتهم، إذن لماذا لا تدعم إيران السنة، ولماذا لا تدعم السعودية الشيعة؟

بكلام أوضح، لماذا لا تشكل السعودية فصائل شيعية أو علوية من بين هؤلاء الغاضبين من حكم الأسد في سوريا كي تقاتل ضد العلويين والشيعة في الجيش والميليشيات المساندة له، وفي المقابل لماذا لا يفكر قادة الحرس الثوري الإيراني في خلق كيان سني من بين السنة الذين يناصرون الأسد كي يقاتل ضد الفصائل السنية المعارضة له، على أن يتكرر الأمر نفسه في العراق ولبنان؟ لن يحدث ذلك ببساطة لأن في إيران من يفكر بطائفية فعلا، على عكس الساسة السعوديين الذين يبدون أكثر ليبرالية وانفتاحا حتى يقترب الخطر من وحدة بلادهم واستقرارها.

يفكر المسؤولون السعوديون بعقلية “اللي تكسب به إلعب به” كما يقول المصريون. في سبيل ذلك تورطت السعودية ومعها مصر ودول أخرى في دعم الإسلاميين التكفيريين خلال الغزو السوفييتي لأفغانستان في أواخر السبعينات.

ما تقوم به السعودية في حربها على الحوثيين اليوم هو محاولة تدارك في اليمن ما فاتها في لبنان قبل ثلاثة عقود

لم يكن ذلك خافيا على أحد. أتذكر اطلاعي مؤخرا على مانشيت شهير في صحيفة الأهرام يعتلي صورة للرئيس المصري الراحل أنور السادات بجوار شيوخ تغطي وجوههم اللحى ويلتحفون بعباءة أفغانية. قال السادات للمجاهدين الأفغان: سندعمكم بكل ما في الإسلام من قوة!

هذا الدعم الحكومي، الذي كانت السعودية مصدره الرئيسي باعتبارها الممول، أخذ في التراجع شيئا فشيئا إلى أن اختفى نهائيا بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة، بل في المقابل شنت الرياض حربا شعواء بقيادة وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف الذي أصبح ولي العهد لاحقا.

لكن إيران أبت طوال ثلاثة عقود الإقلاع عن عادة نشر التطرف المذهبي، ودأبت على مدار سنين على بناء الميليشيات الطائفية في العراق وتربية هادي العامري وأبي مهدي المهندس وغيرهما ممن سيصبحون في ما بعد قادة هذه الميليشيات، بعدما أثبتوا طوال حقبة الثمانينات أن بإمكانهم التحول إلى جنود بلا شرف في مواجهة جيش بلدهم.

في نفس الوقت كانت إيران تعكف في لبنان الذي كان يحاول التعافي من تبعات حرب أهلية طاحنة على غرس بذور حزب الله الذي تحول الآن إلى شجرة قد تودي محاولة اقتلاعها بالبلد كله.

ما تقوم به السعودية في حربها على الحوثيين اليوم هو محاولة تدارك في اليمن ما فاتها في لبنان قبل ثلاثة عقود، لكنها تدرك أنها تسير تدريجيا في سوريا نحو حافة السقوط في الخطأ نفسه الذي كاد أن يجبرها على الدخول في عزلة دولية بعد أحداث 11 سبتمبر.

قد يشبه مسار هذا التنافس، السياسي في جوهره- الطائفي في ظاهره، تلك الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا، لكن النتيجة ستختلف حتما عن المسار، إذ لم تكن أي من الدول الكاثوليكية أو البروتستانتية التي غرقت في مستنقع هذا الصراع تمثل الدين المسيحي متجردا أو تقع على أراضيها أكثر المواقع الدينية قدسية عند المسيحيين، كما هو الحال في السعودية.

إيران أبت طوال ثلاثة عقود الإقلاع عن عادة نشر التطرف المذهبي، ودأبت على مدار سنين على بناء الميليشيات الطائفية في العراق

تنافس سياسي يغذي الطائفية

بمعنى آخر لم تكن القدس، المدينة الأكثر قداسة لدى المسيحيين في العالم، طرفا في هذا الصراع المذهبي منذ بدايته وحتى انتهائه، ومن ثم لم يكن غريبا انحصار الصراع في أوروبا الغربية بعيدا عن بقية العالم المسيحي من أرثوذوكس وحتى الكاثوليك والبروتستانت من غير الأوروبيين.

يكمن الخطر في جوهر الصراع الطائفي المحتدم الآن في رغبة إيران في زعزعة مكانة السعودية كقائد روحي للعالم الإسلامي كله، بشقيه السني والشيعي، وهي مكانة إكتسبتها السعودية لاحتضانها المسجدين الحرام والنبوي، وإزاحتها عن هذا الموقع المرموق مستغلة في ذلك سياسة خارجية سعودية جديدة يشوبها شيء من الاندفاع.

كان من الممكن للسعودية أن تستغل اعتناق نسبة ليست بالقليلة من السعوديين للمذهب الشيعي كي تثّبت هذه الزعامة الإسلامية لكل الطوائف، في وقت يستبعد فيه أي عاقل إقدام النظام الإيراني الطائفي على الترويج لاعتداله ووسطيته مستخدما ورقة مقابلة تتمثل في الإيرانيين السنة في مناطق الأحواز العربية وغيرها.

لكن البلدين ضيعا هذه الفرصة، ومعها ضاعت وسط الصراع مقادير شعوب تشربت الطائفية حتى الثمالة وبدت مستعدة لصراع حتمي يُسمع ضجيج طبوله المفزع في كل ركن من أركان الشرق الأوسط، قد لا يأتي كما هو متوقع من سوريا أو اليمن أو العراق، لكن هذه المرة قد يسمع دوي رصاصته الأولى في منطقة الخليج.

في نهايتها لم تتوقف الحروب الدينية في أوروبا بسحق مذهب لآخر، فحتى هذه اللحظة مازالت اشتباكات طائفية تندلع بين الحين والآخر، بين أصحاب الطائفة الكاثوليكية وأصحاب الطائفة البروتستانتية، لكنها انتهت ببساطة حينما تعلم الطرفان، بعدما دفعا ثمنا باهظا، أن الدوافع التي قد تضطرهما للدخول في أي مواجهات مستقبلية ينبغي أن تبقى في إطار سياسي وأيديولوجي يبتعد عن الدين بمقدار المسافة بين الأرض والسماء، وهو ما تحقق لاحقا في حربين عالميتين لم تستغرقا لحسن الحظ ثلاثين عاما!

7