لماذا لا تحصل ربات البيوت على رواتب في المجتمعات العربية

مختصون يؤكدون أن تخصيص رواتب لربات البيوت في المجتمعات العربية قد يساعدهن على تربية أبنائهن بشكل جيد ويمنحهن راحة نفسية وشعورا بالإنصاف، وليس إحساسا بعدم تقدير الذات.
السبت 2020/09/12
خدمات مجانية

تستنزف الأعمال المتعددة التي تقوم بها ربات البيوت مثل الطهي والتنظيف والعناية بالأزواج ورعاية الأطفال والمسنين طاقتهن، في حين أنه ينبغي أن تكون المسؤولية اجتماعية وجماعية بدلا من تحمل النساء العبء الأكبر منها، حيث حذر المختصون من أن الرعاية غير مدفوعة الأجر تعزز من فقر النساء ما يؤدي إلى استبعادهن من المساهمة في الحياة الاجتماعية.

لندن – أكد خبراء الأمم المتحدة أن أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر هي أساس كل المجتمعات، وهي حاسمة لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية. ومع ذلك، فإنه غالبا ما يتجاهلها صانعو السياسات أو ينظرون إليها كأمر مفروغ منه، مؤكدين أن هذا الأمر له أثر سلبي على فقر المرأة وتمتعها بحقوقها، منبهين إلى أنه في البلدان المتقدمة والبلدان النامية على حد سواء، تعمل المرأة لساعات أطول من الرجل عندما يؤخذ في الاعتبار العمل غير المدفوع، إلا أنها تحصل على تعويض مالي وتقدير أقل.

وأظهرت الإحصائيات أن النساء العربيات يقضين ستة أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في القيام بالأعمال المنزلية، وحتى لو كانت المرأة تضطلع بمهام وظيفة كاملة، فإنها تنفق أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجل في الأعمال المنزلية، لكن أداء هذه الأعمال بشكل متكرر ينهك أدمغة النساء، ويقلل الإحساس بالسعادة ويساهم في الإصابة بالقلق والأرق.

وأكد مختصون أن تخصيص رواتب لربات البيوت في المجتمعات العربية قد يساعدهن على تربية أبنائهن بشكل جيد ويمنحهن راحة نفسية وشعورا بالإنصاف وليس إحساسا بعدم تقدير الذات.

وقامت ناشطات سعوديات في 2019 بإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لمطالبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بتخصيص رواتب شهرية لربات البيوت، تحت عنوان ”يا ملكنا صرف راتب لربات البيوت”.

وسجل الهاشتاغ انتشارا واسعا في المملكة، حيث سُجلت أكثر من 10 آلاف تغريدة، بين رافض ومؤيد، وأكد مؤيدو هذه الحملة، أنهم يريدون تعويضا ماديا عن التزام ربات البيوت بشؤون منازلهن، وذلك من أجل توفير الاستقلال المادي وسداد احتياجاتهن الضرورية. وفي المقابل لم يتقبل آخرون الفكرة معتبرين أن من تطالب براتب عليها أن تخرج من البيت وتبحث عن عمل.

وقال أخصائيو علم الاجتماع أن مهنة ربة المنزل غير مدرجة ضمن قائمة المهن المتعارف عليها، ولا تدر دخلا ولا تتطلب دفع ضرائب، ولا تساهم في الناتج القومي، منبهين إلى أن ربة المنزل هي امرأة عاملة لها وظائف تعادل جميع الوظائف التي يقوم بها أصحابها مقابل أجر يمنحهم الاستقلالية المادية، إلا أن وظيفة ربة المنزل هي وظيفة غير مدفوعة الأجر ولا يحميها قانون العمل ولا تترجم لتحسن في المستوى الاقتصادي للأسرة أو الدولة.

وأشاروا إلى أن انشغال المرأة بالكامل في العمل غير مدفوع الأجر داخل المنزل فرصة اقتصادية ضائعة لنفسها ولأسرتها واقتصاد دولتها. وطرحت دراسة مصرية أنجزتها الباحثة المتخصصة في علم الاقتصاد، سلوى العنتري،  جاءت تحت عنوان “تقدير قيمة العمل المنزلي غير المدفوع للنساء في مصر” قضية تقدير قيمة العمل المنزلي غير المدفوع والذي تقوم به النساء المصريات ولا يتم احتسابه أو تضمينه داخل منظومة التقارير الرسمية، وكيف أن عدم الاعتراف بمساهمة النساء في رفاهية المجتمع من خلال العمل المنزلي، يؤدي بذاته إلى التأثير سلبا على المكانة الاجتماعية للنساء ومدى قدرتهن على المشاركة في صنع القرار.

وأشارت العنتري إلى أن مفهوم العمل المنزلي غير المدفوع ينطبق على كافة الخدمات التي يتم إنتاجها واستهلاكها مجانا داخل الأسرة، أي تلك الخدمات التي يؤديها أفراد الأسرة بعضهم لبعض، سواء تعلق ذلك بأعمال العناية بالمنزل وتجهيزاته أو إعداد وتقديم الوجبات، أو شراء المستلزمات المنزلية ونقل أفراد الأسرة من مكان لآخر، أو رعاية وتربية الأبناء ورعاية أفراد الأسرة المرضى والمسنين، إلى غير ذلك من الأعمال التي تقع بشكل أساسي على عاتق النساء.

وأوضحت أنه على الرغم من أن العمل المنزلي غير المدفوع يماثل العديد من الأعمال التي تؤدى في المجتمع بأجر، مثل أعمال الخدمة المنزلية وأعمال رعاية الأطفال والمسنين وبعض أعمال التمريض.. إلا أنه على العكس من تلك الخدمات التي تؤدى بأجر فإن العمل المنزلي غير المدفوع لا يحتسب ضمن الناتج المحلي، وذلك وفقا لنظام الحسابات القومية الذي تعده الأمم المتحدة ويسري على بلدان العالم المختلفة.

وأبرزت نتائج الدراسة الفجوة الكبيرة بين عدد ساعات العمل المنزلي لكل من النساء والرجال، حيث يبلغ متوسط عدد ساعات العمل المنزلي الأسبوعية للنساء في مصر 30 ساعة و25 دقيقة مقابل 4 ساعات و15 دقيقة فقط للرجال في الأسبوع. وتستأثر أعمال الخدمة المنزلية بالجزء الأكبر من وقت النساء، حيث تستغرق أنشطة الخدمة المنزلية نحو 47 في المئة من إجمالي الوقت المخصص للعمل المنزلي غير مدفوع الأجر، بواقع 14 ساعة أسبوعيا، في مقابل أقل من نصف ساعة للرجال.

وبينت الباحثة المصرية أن نتائج الدراسة قد أكدت على أن العمل بأجر – على أهميته البالغة – لا يمثل بذاته شرطا كافيا لتحرير المرأة وتعزيز مكانتها وقدرتها على المشاركة في صنع القرار، ذلك أن المرأة العاملة بأجر لديها دورتا عمل، إحداهما خارج المنزل، والثانية داخله.

وشددت الدراسة على ضرورة تطوير معاش المرأة المعيلة ليخرج من مفهوم المساعدات الاجتماعية إلى مفهوم الحق في الحماية التأمينية، واستصدار التشريعات الخاصة باقتسام الثروة بين الزوجين في حالة الانفصال.

وأشار تقرير صدر عن منظمة العمل الدولية إلى أن أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر هي السبب الرئيسي لوجود النساء خارج قوة العمل. وقال التقرير إن 606 ملايين امرأة في سن العمل حول العالم تؤدي أعمال رعاية غير مدفوعة الأجر على أساس التفرغ، مقارنة بـ41 مليون رجل. وبالمعدل الحالي، سيستغرق الأمر 210 سنوات لسد الفجوة الحالية بين الجنسين والمتعلقة بالوقت الذي تستغرقه أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، ما يعني استمرار حرمان النساء من الفرص مقارنة بالرجال.

خبراء يحثّون على ضرورة تطوير معاش المرأة المعيلة
خبراء يحثّون على ضرورة تطوير معاش المرأة المعيلة

وقال تقرير حديث لصندوق النقد الدولي إن تونس ضمن فئة البلدان التي تعمل فيها النساء 4.8 ساعة في العمل عير مدفوع الأجر أكثر من الرجل وهي من بين البلدان القليلة التي توجد في هذه الفئة وهي الجزائر والمغرب ومصر والمكسيك.

ورجح التقرير أن تتسبب المؤسسات والقيم الاجتماعية في تقييد إعادة توزيع العمل غير مدفوع الأجر بمنع الرجل من اقتسام أعباء العمل المنزلي. وانتقد الصندوق النقد الدولي عدم التساوي بين الجنسين في ما يتعلق بعدد ساعات العمل غير المدفوع الأجر فالمرأة حول العالم تعمل 4.4 ساعة من العمل غير مدفوع الأجر في المتوسط بينما لا يمضي الرجل سوى 1.7 ساعة في هذا العمل.

وكشف أن قرابة نصف العمل الذي يؤديه العاملون حول العالم هو عمل غير مدفوع الأجر، والجانب الأكبر منه تقوم به النساء. ولا يقتصر هذا الخلل على حرمان المرأة من الفرص الاقتصادية. بل إنه مكلف أيضا للمجتمع من حيث انخفاض الإنتاجية وضياع فرص النمو الاقتصادي. وبالتالي فإن التوزيع العادل للعمل غير مدفوع الأجر لن يعود بالنفع على المرأة فحسب، لكنه سيؤدي أيضا إلى زيادة كفاءة القوة العاملة وتقوية الاقتصادات.

وأشار إلى أنه من أمثلة العمل غير مدفوع الأجر الطهي والتنظيف وجلب الطعام والمياه ورعاية الأطفال والمسنين. ولا تعتبر هذه المهام جزءا من النشاط الاقتصادي نظرا لصعوبة قياسها استنادا إلى قيم معاملات السوق. غير أن قيمتها الاقتصادية كبيرة، حيث تتراوح قيمتها التقديرية من 10 إلى 60 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

وكشف التقرير أن المرأة تتحمل الجانب الأكبر من العمل غير مدفوع الأجر، ولكن غير المفهوم كما ينبغي هو عدد ساعات العمل غير مدفوع الأجر التي تمضيها المرأة في اليوم الواحد أكثر من الرجل. فالمرأة من حول العالم تعمل 4.4 ساعة من العمل غير مدفوع الأجر في المتوسط بينما لا يمضي الرجل سوى 1.7 ساعة في هذا العمل.

وأضاف في مصر تمضي المرأة 5.4 ساعة يوميا في العمل غير مدفوع الأجر ولا يمضي الرجل سوى 35 دقيقة فقط.

وقال صندوق النقد الدولي إن عدم إشراك المرأة مشاركة كاملة في قوة العمل يؤدي بالاقتصاد إلى سوء توزيع موارده، حيث يجعل المرأة تؤدي المهام منخفضة الإنتاجية في منزلها بدلا من الاستفادة من إمكاناتها الكاملة في السوق. ويخسر الاقتصاد أيضا فرصة الاستفادة من علاقة التكامل بين الرجل والمرأة في موقع العمل. ونتيجة ذلك يكون انخفاض في الإنتاجية وفي معدل النمو الاقتصادي. وهذه الفجوة بين الجنسين في العمل غير مدفوع الأجر لا تتسم بانعدام العدالة فحسب، بل إنها تتسم بانعدام الكفاءة على نحو واضح.

وقال الصندوق إنه من المؤكد أن هناك البعض من الأعمال غير مدفوعة الأجر تتم بمحض الاختيار ولا يمكن لأحد أن يعترض على القيمة التي تعود على المجتمع من تربية الأطفال. ولكن نسبة أكثر من 80 في المئة من ساعات العمل غير مدفوعة الأجر تخصص للأعمال المنزلية بخلاف رعاية الأطفال والمسنين. مشيرا إلى أنه ينتهي الأمر بالمرأة في أغلب الأحيان إلى تحمل تلك الأعباء المنزلية بسبب القيود التي تفرضها الأعراف الاجتماعية، أو عدم توافر الخدمات العامة والبنية التحتية، أو غياب السياسات الداعمة للأسرة.

 المرأة تتحمل الجانب الأكبر من العمل غير مدفوع الأجر
المرأة تتحمل الجانب الأكبر من العمل غير مدفوع الأجر

 

21