لماذا لا تصل العلاقات العربية لمصر إلى حدّ القطيعة السياسية التامة

أيّ تآكل في جدران دولة عربية يرخي بظلال سلبية على القاهرة.
الأحد 2021/06/13
ود وانسجام كبيران

نجحت السياسة المصرية في تخطي الكثير من الخلافات مع بعض الدول العربية وذلك وعيا منها بأن تداعيات أي صدام محتمل أو الوصول إلى نقطة اللاعودة قد يلقيان بظلال سلبية على أمنها والأمن العربي كلل. ورغم اختلاف وجهات النظر في الملفات الساخنة للمنطقة تراهن دول الخليج العربي على دور القاهرة، التي نجحت وساطتها مؤخرا في الملف الفلسطيني، للقيام بدور إقليمي مؤثر في مواجهة مناورات الإخوان والتهديدات الأمنية المشتركة، ورغم حديث الخلافات الذي يعود إلى الواجهة في كل مرة إلا أن العلاقات العربية لمصر استراتيجية ومتينة ولن تصل إلى حدّ القطيعة السياسية التامة.

 حفلت العلاقات بين مصر ودول عربية عديدة بتوترات خلال السنوات السبع الماضية التي صعد فيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى سدة السلطة، بعضها كان معلنا والآخر ظل مكتوما. وفي الحالتين حرصت القاهرة على ألا تصل الأمور حد القطيعة التامة، وتركت بابا أو أكثر يمكن الدخول منه، ولم تسمح الدول العربية التي تأزمت علاقاتها مع مصر لأسباب مختلفة بالوصول إلى درجة الصدام.

في كل مرة كان هناك خط للرجعة، وكأن مصر وأي دولة عربية أخرى لا تريدان الدخول في عداوة ممتدة أو الصعود إلى حافة الهاوية في التأزم، ومهما ارتفعت حدة الخلافات تظهر ليونة من هنا أو هناك تعيد تصويب الأوضاع أو جزء منها لأن الخسارة مشتركة وسوف ترتد في النهاية إلى صدر الطرفين.

حفل التاريخ المصري الحديث بأزمات كثيرة، أشهرها القطيعة العربية شبه الجماعية بسبب قيام القاهرة بتوقيع اتفاق صلح منفرد مع إسرائيل عام 1979، والتي انتهت تدريجيا وعادت المياه تجري في قنواتها المعتادة من شد وجذب من دون قطيعة نهائية.

أنهى استقبال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الجمعة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة شرم الشيخ على البحر الأحمر، جدلا حول وجود توتر خفي بين القاهرة والرياض مؤخرا، حيث نشر السيسي عبر صفحته على فيسبوك صورة له برفقة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تكشف الود والانسجام الكبيرين، وكانت الصورة وحدها كفيلة بدحض التكهنات وتأكيد أن العلاقات الإستراتيجية بين البلدين لا تتأثر بالخلافات.

وعلق السيسي قائلا “سعدت اليوم بلقاء أخي الأمير محمد بن سلمان. لقد تركز لقاؤنا على بحث سبل تطوير العلاقات المشتركة بين بلدينا، كما توافقت الرؤى بيننا حول القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك. وأؤكد اعتزازي الدائم بالعلاقات المتميزة التي تربط مصر والسعودية على المستويين الرسمي والشعبي”.

حديث الخلافات

Thumbnail

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتردد فيها حديث الخلافات بين مصر والسعودية، فقد تردد من قبل بشأن التباين حول إدارة الأزمة مع إيران، وفي سوريا واليمن، وكانت العلاقات تتجاوز ذلك وتركز على القواسم المشتركة، ولن تكون آخر مرة، لأن تباعد الرؤى في التفاصيل لن ينتهي، فالصراعات والنزاعات حمالة أوجه.

لعل في الأزمة التي مرت بها مصر مع قطر مجموعة من الدروس المستفادة في هذا المضمار، فبصرف النظر عن الدوافع الإقليمية والدولية التي أدت إلى التقارب الحالي الذي بلوره بيان قمة العلا الخليجية في يناير الماضي، فالأزمة بدأت عام 2013، أي قبل المقاطعة الرباعية (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) بنحو خمس سنوات، عندما إنحازت الدوحة لجماعة الإخوان وطيف واسع من المتطرفين.

على مدار هذه السنوات كانت الأزمة تدار بشكل سياسي حذر في القاهرة، وركزت على العوامل التي أدت إليها والرد على التجاوزات، بمعنى آخر لم تلجأ مصر إلى توجيه ضربات معنوية ومادية قاتلة للنظام القطري، مع أن بعض المسؤولين فيه وجميع وسائل الإعلام التابعة له وجهت ضربات موجعة للنظام المصري.

يمكن مد الخيط على استقامته والحديث عن دول عربية كثيرة، مثل السودان والجزائر والسلطة الفلسطينية، توترت علاقات القاهرة معها خلال الفترة الماضية وجرى ضبط البوصلة بما يحول دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، وهناك تفاصيل كثيرة حدثت مع الجهات الثلاث جرى احتواؤها باتباع ما يوصف الآن بـ”الصبر التكتيكي”.

تفسير هذه المسألة يحتاج إلى فهم طبيعة النظام المصري الذي بدأ يعيد ترتيب أوراقه استعدادا للقيام بدور إقليمي مؤثر، يعد الفضاء الفسيح فيه هو الدول العربية الواقعة في قلب الشرق الأوسط، وبالتالي الدخول في عداوة مع أي دولة تتسبب في خصم من الرصيد السياسي، بما يضيف إلى خصوم مصر وأعدائها الحقيقيين ميزة نوعية.

تتعامل مصر مع الدول العربية من منطلق قاعدة الأخ الأكبر، حيث تقع على عاتقه مسؤوليات جسيمة لحفظ الأمن القومي العربي الذي يؤثر بالتبعية على الأمن المصري، فكل تآكل في جدران دولة عربية يرخي بظلال سلبية على القاهرة.

من ينظر إلى حجم التداعيات الإقليمية التي أدت إليها أزمات العراق وسوريا واليمن وليبيا والفراغ الإستراتيجي، يعلم إلى أي درجة مثّل ذلك ضررا لمصر التي دخلت في حقب سابقة خلافات مع دول عربية لكنها في النهاية لم تكن مخاطرها بوزن التداعيات الراهنة التي شكلت تحديات مصيرية للأمن المصري ولا تزال تحاول تجاوزها.

تدير مصر علاقاتها الخارجية بطريقة برغماتية تدفعها في أوقات كثيرة إلى الحد من ملامح العداوة مع قوى أخرى، عربية وغير عربية، فالنظام الحالي في القاهرة يميل إلى إدارة الخلافات السياسية وفقا لما يمكن التفاهم عليه طالما أن هناك مصالح متقاربة، ووضع الخصوم تحت المجهر من خلال إيجاد مساحة ممكنة للتقارب.

نموذج حماس

Thumbnail

طبقت القاهرة هذه القاعدة مع حركة حماس في قطاع غزة، على الرغم من أن ضلوعها في المساس بالأمن القومي المصري واضح، لأنها كانت تعلم في اللحظة التي تتمادى في خصومتها تكون قد منحتها صك البراءة لإقامة علاقات مع جهات معادية، بما يدفعها إلى اللجوء للمزيد من الإضرار بالأمن القومي المصري، وزاوية العمل هي أن تضع خصمك تحت عينيك أفضل من أن تتركه يمرح بعيدا عنك.

شعرت مصر بوجود أعداء كثيرين، وزادوا مع ثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين فيها، فهناك من راهنوا على الجماعة لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة، ومن تصوروا أن سقوط القاهرة في فخ الثورات العربية سوف يكون كفيلا بتدشين سيناريوهات إقليمية يصعب تدشينها في وجود دولة مصرية صلبة ومتماسكة، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والسياسي ورمزيتها العربية.

حيال هذا التقدير رأت القيادة السياسية ضرورة العمل على تقويض هامش الخلافات مع الدول العربية، بصرف النظر عن طبيعة الأزمة، وتخفيف حدة الاحتقانات إلى المدى الذي يقلل عدد الخصوم ويفتح الباب لزيادة الأصدقاء والحلفاء، والتدخل برفق في المشكلات الإقليمية بما لا يسمح بالتورط فيها واستنزاف القدرات المصرية.

عامود الخيمة

النظام في القاهرة يميل إلى إدارة الخلافات السياسية وفقا لما يمكن التفاهم عليه طالما أن هناك مصالح متقاربة

تشعر غالبية الدول العربية بأن انهيار مصر يمثل انهيارا لعدد كبير من أنظمتها، وتمثل وقفة دول عربية مثل السعودية والإمارات والبحرين مع مصر بعد سقوط الإخوان والتصدي لمحاولات بعض القوى الدولية لمنع تطويقها علامة فارقة في هذه المسألة، لأن عودة الإخوان على أسنة الرماح تعني دخول مصر في دوامة الحرب الأهلية أو استسلامها لحكم الجماعة، بما يفضي إلى انعكاسات قاتمة على أمن دول عربية عدة.

ربما تنزعج بعض الدول العربية من الشوفينية المصرية، غير أن العديد منها لا تنكر أنها “عامود الخيمة”، والذي يحمل سقوطه الكثير من التأثيرات على معظم الدول العربية، فالخلاف مع القاهرة قد يكون حول حدود القوة والدور والانتشار والتضخم من دون أن يصل إلى الرغبة في تعجيزها تماما.

لدى قطاع كبير من المصريين يقينا بأن عددا من الدول العربية لا تريد سقوط مصر في حقل ألغام، وأيضا لا تفضل رؤيتها قوية ومهيمنة على مفاصل القرار العربي، وهي المعضلة التي يحاول النظام الحالي في القاهرة تحاشيها عبر امتلاكه لأنواع مختلفة من القوة الشاملة الرشيدة والحكيمة، والتي تصب حصيلتها في مصلحة الأمن القومي العربية من غير صدام مع أي من القوى الرئيسية فيه.

إذا نجحت القاهرة في الوصول إلى صيغة من هذا النوع تستطيع أن تمارس دورها الإقليمي وتحافظ على حضورها العربي وتخفف من وتيرة الخلافات، وتتلاشى عيوب ثلاثة أنظمة سابقة، فنظام الرئيس جمال عبدالناصر امتلك مشروعا قوميا بدا خياليا وأراد فرض رؤيته وسيطرته، ونظام خلفه الرئيس أنور السادات أعلى من قيمة الشعور الوطني المصري والفردية متنصلا من عمق الدائرة العربية، ونظام حسني مبارك التالي عليه بدا أعرج بما أغرى بعض القوى الإقليمية للاستفادة من ضعفه.

يحاول نظام الرئيس السيسي تجنب عيوب الأنظمة الثلاثة والتعامل بطريقة تتناسب مع المستجدات وروح العصر ومتطلبات الواقع، وهو يعلم أن الكتلة العربية هي جوهر أي دور يمكن أن تلعبه بلاده ومن الواجب عدم التفريط فيها، والعمل على تقريب المسافات معها، على قاعدة معتدلة تنطلق من التعاون والتنسيق والشراكة.

4