لماذا لا خيار أمام أميركا.. سوى أن تضرب؟

السبت 2013/09/14

تضرب أو لا تضرب؟ كلّ ما يمكن قوله أن لا خيار آخر أمام الإدارة الأميركية سوى أن تضرب. الضربة الأميركية آتية يوما. قد تتأخّر، لكنّها آتية على الرغم من أنّ ما يفعله الرئيس باراك أوباما حاليا يصبّ بكل بساطة في إطالة الحرب على أرض سوريا من أجل الإمعان في تفتيت هذا البلد العربي المهمّ، بما في ذلك مؤسسة القوات المسلّحة التي لم تنخرط في معظمها في الحرب التي يشنّها النظام الفئوي على شعبه منذ ما يزيد على ثلاثين شهرا.

لو كان أوباما صادقا في نيّته مساعدة الشعب السوري، لما كان تردّد في الإعلان صراحة أنّ الهدف الانتهاء من النظام. قال ذلك، في بداية الثورة السورية، ثم تراجع. ما لبث أن نسي، أو تناسى ما يتعرّض له السوريون. انتظر استخدام النظام للسلاح الكيمياوي من أجل أن يستفيق مجددا، ويتوعّد بتوجيه ضربة ما قد لا تؤدي الغرض المطلوب في حال لم تكن قاصمة.

هل المشكلة في السلاح الكيمياوي الذي قتل نحو 1500مواطن سوري في الغوطة، أم في سلوك نظام سبق له ولجأ إلى هذا السلاح في مناطق سورية أخرى وقتل، في أقلّ تقدير، ما يزيد على مئتي ألف سوري بكل الوسائل المتاحة منذ آذار- مارس 2011؟

إنه نظام لم يتردد يوما في اللجوء إلى القتل في سوريا أو في لبنان. قصف مدنا لبنانية وحاصرها في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وقتل من الشعب الفلسطيني أكثر بكثير مما قتلت اسرائيل وهو يرفع شعار «المقاومة» و»الممانعة». فوق ذلك كلّه، لا ينسى السوريون أنه ارتكب مجزرة حماة في العام 1982 كي يؤكد أن الموت مصير كلّ من يتجرّأ على قول كلمة لا. أما اللبنانيون، فإنهم لا يستطيعون أن ينسوا أنه قاتل كلّ الشخصيات اللبنانية التي سعت في يوم من الأيام إلى تأكيد أن لبنان بلد مستقل له خصوصيته وليس محافظة سورية…

لا شك أن ليس بالإمكان تجاهل أن الإدارة الأميركية تعاني من عقدة حربين خاضتهما حديثا، في أفغانستان والعراق ولا تزال غارقة في إحداهما، أي في أفغانستان. كذلك ليس بالإمكان تجاهل أنّ الأميركيين عموما ليسوا متحمّسين لحرب جديدة قد تكلّف الاقتصاد الأكبر في العالم غاليا.

ولكن ما لا يمكن تجاهله في أي حال من الأحوال أن زعامة أميركا للعالم باتت على المحكّ، وأن عصر القوة العظمى الوحيدة في العالم مهدّد بالانتهاء باكرا أي بعد أقلّ من ربع قرن على انهيار جدار برلين في خريف العام 1989.

كان انهيار الجدار مؤشرا إلى انتهاء الحرب الباردة وقرب تفكيك الاتحاد السوفياتي الذي كان طوال نحو أربعة عقود قوة عظمى استطاعت ايجاد توازن معيّن مع الولايات المتحدة وحلفائها على الصعيد العالمي.

كان وجود الاتحاد السوفياتي عاملا ساهم إلى حدّ كبير في تعطيل أيّ مبادرة يمكن أن تقدم عليها الولايات المتحدة في اتجاه المساعدة في دعم المجتمعات التائقة إلى التقدّم والحرية. وقد قبلت الإدارة الأميركية بهذا الواقع، وشاركت في بعض الأحيان في دعم أنظمة ديكتاتورية من منطلق أنها معادية للاتحاد السوفياتي لا أكثر. إضافة إلى ذلك كلّه، راهن الكرملين في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي على الأنظمة العسكرية التي تعتمد على أجهزتها الأمنية لإذلال المواطن والتي خرّبت المجتمعات العربية وحولت بلدانا مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا وحتى الجزائر… وصولا إلى ما كان يسمّى اليمن الجنوبي، إلى بلدان محكومة من أنظمة توتاليتارية تؤمن بكلّ شيء باستثناء حرّية المواطن وكرامته.

انتى العصر الأميركي أم لم ينته؟

كلّ شيء يتوقف على ما سيجري في سوريا حيث الخيار واضح. إنّه بين تفتيت البلد وبين إعادة بنائه على أسس تلبي طموحات السوريين الذين ثاروا على الظلم والحرمان والتخلّف وعلى العائلة التي حاولت، ولا تزال تحاول استعبادهم منذ ما يزيد على أربعين عاما.

ليس مطلوبا ولا مقبولا أن تدفع سوريا ثمن الحربين الأميركيتين في أفغانستان والعراق، ولا ثمن الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تسببت بها هاتان الحربان. يفترض أن يعي الأميركيون أنّ إنقاذ سوريا من نظام العائلة لا يعني فقط المراهنة على الشعب السوري، وعلى إعطائه فرصة كي يعيد بناء البلد استنادا إلى أسس جديدة في مقدّمتها اعتماد القانون مرجعية لكل مواطن.

ما يعنيه العمل على إنقاذ سوريا، أكثر من أي شيء آخر، أنّ أميركا ترفض العودة إلى الحرب الباردة والرضوخ للابتزاز الروسي والإيراني.

صحيح أنّ ليس ما يضمن إنقاذ سوريا، حتى لو اقتُلع النظام من جذوره، لكنّ الصحيح أيضا أن سوريا تستأهل جهدا أميركيا ودوليا صادقا من أجل وقف المجزرة التي يتعرّض لها شعب بكامله.

إذا كانت الأشهر الثلاثين الماضية دلّت على شيء، فإنها دلّت على أن الشعب السوري يقاوم، وأنّه شعب أصيل وفريد من نوعه ليس بين الشعوب العربية فحسب، بل بين شعوب العالم أيضا.

من كان يتوقّع كلّ هذا الصمود في وجه الوحشية التي يمارسها النظام والتي لم تقتصر على الأسلحة الكيميائية؟ قبل الأسلحة الكيميائية، كان القصف المدفعي والبراميل المتفجّرة.

كان هناك قتل من أجل القتل، ومن أجل أن يقول بشّار الأسد أنه لا يواجه شعبه في حمص وحماة وحلب ودمشق ودرعا واللاذقية وإدلب وكلّ مدينة وقرية سورية، بل يواجه «إرهابيين».

صار هناك «إرهابيون» في سوريا بعدما اعتمدت إدارة أوباما الأجندة الإسرائيلية وقرّرت إطالة الحرب التي يشنّها النظام على السوريين. كلما طالت هذه الحرب، كلّما زاد عدد «الإرهابيين». هل هذا ما تريده أميركا في سياق قبولها بالرضوخ للروسي والإيراني، كما لو أنّ العالم لم يتغيّر وأنه في عز الحرب الباردة!


إعلامي لبناني

8