لماذا لا نرقص

الخميس 2014/09/11

كان نيتشه بليغاً حين قال على لسان زارادشت، “لا أومن بإله لا يحسن الرّقص”. لعلّها التفاتة ذكية من فيلسوف مرهف الحس ثاقب النّظر يمقت الخنوع والخضوع. لكن، ما جدوى هذا الرّقص الذي يكاد يبلغ مع نيتشه درجة التّقديس؟ أيّ البشائر يمكن أن يحملها الرّقص لهذا الكائن الإنساني المحاط بالأخطار؟ في مقاربة السؤال يمكننا أن نستدعي ما كان يُسميه نيتشه بالمعرفة المرحة، ومن ثمّ ندرك بأنّ الرّقص انحيازٌ لا مشروط للحياة، الرّقص ارتفاع الحياة في خفّتها، إيقاع الرّوح في رشاقتها، اندفاع الكينونة في عفويتها، نص يكتبه الجسد ويمّحي النص أثناء الصياغة، سجال ملحمي مع الوجود المفرط في العرضية، خروج عن المسارات الخطية التي تقود نحو الأفول والخمول والذبول، إعادة صياغة للحكايات المبثورة، للنهايات المحزنة، للمآلات غير المنصفة، تفريغ وترياق وانبعاث، تطهير للنفس وتجديد للروح، احتجاج بالأيادي والأقدام على الجمود والكآبة واليأس والرّتابة، مقاومة لتجمّد الأبدان وتبلّد الأذهان، مصالحة احتفالية مع الجسد والطبيعة والحياة. الرقص هو التعبير الأسمى عن إرادة الحياة.

معضلتنا بهذا المعنى أننا شعوب لا ترقص. نعم، يملأ الرّقص “الفوضوي” تلفزاتنا آناء الليل وكل النهار، لكننا في الواقع، ويا للمفارقة، لا نجيد الرّقص ولا نحبذه، لا نترك لأجسادنا حق الاندفاع في غمرة الإيقاعات الحيوية، نحن جديون جداً، جديون إلى درجة الضجر، لا نصغي لكلمات الجسد أصلا، بل نهين الجسد ونضعه في الأخير أمام مآلين، البرقع الأسود أو الحزام الناسف، التكفير أو التفجير. نحن شعوب “غضّ البصر” لأن “العين تزني” و”اليد تزني” والكل يزني.

وتلك مصيبتنا. شعوبنا لم تتعلّم الرّقص واحترام الجسد، فكيف لها بالرّقص والذي هو لغة الجسد؟ شعوبنا لم تدرك بأن للرقص مزايا صحية على النّفس والرّوح، لم تتعود على الرّقص كأسلوب علاجي ضدّ التحجر والتعصب والتشدّد، لم تتعود عليه كأسلوب احتجاجي فعّال ضدّ أجهزة القمع والتسلط والاستبداد، لم تتعود عليه كأسلوب في التعبير عن الحب والوفاء، لم تدرك بعد دور الرّقص في جعل الرّوح أكثر انفتاحاً، والعقل أكثر تحرّراً، والفكر أكثر خفة، والوعي أكثر رهافة، والمشاعر أكثر شفافية. شعوبنا تنسى بأن الأجساد الخاملة لا تحمل سوى عقول خاملة.

كل شعوب الأرض ترقص، كل الشعوب تعيد تمثيل تمايل السنابل أثناء الرياح، تعيد صياغة غوص الأسماك تحت الماء، تعيد تشكيل وقفة البجع على ضفاف البحيرة. كل الشعوب المتحضرة والبدائية على حد سواء جميعها تمجد الرقص وتبجله، ومن خلاله تخاطب الوجود، وتناجي الله، وتحاكي الطبيعة، وتمنح للجسد فرصة التعبير والكلام، إلا نحن فلسنا نمارسه إلا نادرا ومن باب “من ابتلي منكم فليستتر”. وإلاّ، يبقى الرّقص عندنا مدان أو مهان. فماذا لو جرّبنا أن ننزع عنا قناع الجدية الزائفة ونرقص ولو قليلا؟ ماذا لو اعترفنا للجسد بالحق في البوح والكلام بدل أن نكممه ونلجمه؟ ماذا لو جرّبنا أن نرقص يومياً قبل بدء العمل، قبل بدء الدراسة، قبل بدء الاجتماع، قبل اتخاذ أي قرار لا سيما القرارات المصيرية؟ لنجرب وسنكتشف بأن نشوة الرّقص قد تجعل النتائج أفضل حالا. أعلم بأنّ هذا مجرّد حلم بعيد المنال حتى في الأفق الكوني أحياناً، لكن، لا بأس، إذ يبقى هذا ممكناً في الأفق الفردي على الأقل. فلنرقص إذن.

24