لماذا لا يحاور عبدالمهدي معارضي النظام السياسي

لماذا لا يتوجه عبدالمهدي إلى الشعب المعارض للانتخابات ومخرجاتها ومن بينها الحكومة “الناقصة” ويكاشفه بالواقع؟ ولماذا لا ينفتح بصورة جدية على نخب المعارضة السياسية من المفكرين والمثقفين.
الثلاثاء 2018/11/20
في ورطة هيمنة الأحزاب

هناك اعتقاد واهم لدى أحزاب السلطة الحالية بأن عهد المعارضة السياسية في العراق قد انتهى منذ دخول قوات الاحتلال الأميركي لبغداد يوم 9 أبريل 2003 وتقديمها السلطة للأحزاب الشيعية وأن مقاومي الاحتلال عسكريا وسياسيا هم بقايا نظام صدام وموالوه ولا بد من تصفيتهم أو ملاحقتهم، وليسوا هم الملبّون لنداء الوطن حين تغتصب أرضه من الغزاة مثلما يحكي تاريخ الشعوب ومثال ذلك الشعب الفرنسي الذي قاوم الاحتلال النازي وعاقب العملاء من حكومة فيتشي باعتبارهم عاونوه وليس لأن هتلر كان يحمل الفكر النازي وكانت الحركات المقاومة هي صاحبة المشروعية الأولى في إرساء أركان السلطة وأرست معالم أرقى الديمقراطيات الحديثة، وعادل عبدالمهدي الذي عاش في فرنسا لسنوات يعرف معاني هذا التاريخ الإنساني في المقاومة.

في الحالة العراقية توجد عناوين أخرى لا مكان لها في قواميس السياسة أو الثورات. فأحزاب الإسلام الشيعي، وفي مقدمتها حزب الدعوة، عارضت وقاومت نظام صدام لأنه اضطهدها وسجن وأعدم غالبية قادتها الذين اشتغلوا على إسقاط حكمه إلى جانب المعارضين السياسيين من مختلف التيارات اليسارية والقومية وبينهم بعثيون بمستويات قيادية عارضوا منهج الحزب الواحد والدكتاتورية الفردية. وقصة المعارضة العراقية في الخارج معروفة، أما في الداخل فجميع من ظهروا بعد عام 2003 مدّعين المعارضة الصامتة، فهم غير صادقين. غادر حزب الدعوة مواقفه الإعلامية في إدانة مشروع الغزو الأميركي في بيانه المشترك مع الحزب الإسلامي العراقي ومنظمة حزب البعث العربي الاشتراكي المعارض لنظام صدام، واندفع أكثر من الزعامات الإسلامية الشيعية الأخرى في تلبية متطلبات مشروع الغزو الذي حمله زلماي خليل زادة ممثل الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بعد أن أبلغتهم طهران بأن لديها شراكة في هذا المشروع وأن الإدارة الأميركية قررت أن تكون سلطة ما بعد صدام نتاج تحالف شيعي كردي، ولهذا السبب نلاحظ عدم قلق الزعيم الكردي مسعود البارزاني من مسألة دورهم في العهد السياسي الراهن الذي لم تتغير قواعده التي رسمها المحافظون الجدد في واشنطن منذ أواسط تسعينات القرن الماضي.

ولهذه الأسباب تملّكت الزعامات الشيعية مشاعر التعالي في قرارات المعارضة العراقية حول نظام ما بعد صدام، وعزلت المعارضين غير الإسلاميين، عن الأدوار القيادية وهمّشت دور إياد علاوي. وحتى أحمد الجلبي الذي أدار العلاقة مع واشنطن بجهد ونشاط تراجع دوره واضطر إلى تمتين العلاقة مع طهران وقصة اتهام المخابرات الأميركية له بالازدواجية الاستخبارية معروفة.

في لندن وفي غيرها من عواصم اللجوء كان هناك معارضون عراقيون تميّزوا بمواقفهم الوطنية بالإضافة إلى معارضتهم لصدام وتمسكوا بمعارضة الغزو الأميركي، وكان من الطبيعي ألا يشاركوا في مهرجان ذلك الاحتلال أو في ترتيبات سلطة الحكم الجديد بقيادة بول بريمر، بل إن إياد علاوي كان يعرف اللعبة وتخلى عن مشروع التغيير من الداخل وقبل الطعم بمنحه رئاسة مؤقتة للوزارة، وتكرر هذا الاستسلام للمشروع الإيراني الأميركي بعد فوز قائمته عام 2010.

لقد نمت بعد عام 2003 قوى معارضة وطنية داخل وخارج العراق رفعت شعارات مقاومة الاحتلال الأميركي وسلطته المباشرة في بغداد، ناقدة الأحزاب العراقية المساندة له، والتي بدلا من اعترافها بما حققته السلطة المحتلة من تخريب كل شيء راحت توجه الاتهامات الباطلة إلى المعارضين وتم تصنيفهم طائفيا وفق مخادعة للجمهور بأن العرب السنّة كانوا حاكمين للعراق وداعمين لنظام صدام ولا بد من تنظيف أجهزة الحكم منهم عبر قانون الاجتثاث ومن بعده المساءلة والعدالة. ووصفت تلك الأحزاب كل معارض لوجود الاحتلال بالإرهابي، ثم تساهلت مع زعامات الإخوان المسلمين. والمفارقة أن كوادر قيادية من التيار الصدري سجنوا بالمعتقلات الأميركية بسبب مقاومتهم المسلحة للاحتلال وجاوروا قياديين من النظام السابق في سجن بوكا جنوبي العراق ومن بينهم زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي الذي انشق في ما بعد عن قيادة مقتدى الصدر.

تزامنت تلك الإجراءات غير العادلة مع حملات واسعة للاحتراب الطائفي الأهلي. وكان المفروض تطبيق القواعد الديمقراطية بحرية التعبير وقيام أحزاب سياسية وفق الدستور العراقي. لم يحصل ذلك لأن المعارض للطائفية السياسية والفساد هو إرهابي، إضافة إلى كونه من الطائفة العربية السنّية المغضوب عليها. هيمنة الأحزاب الشيعية لم تروّج حتى لمعارضة داخل البرلمان والتي من المفترض أن تقوي مواقفها وإجراءاتها فكيف تقبل بمعارضة للنظام السياسي ولو بعد 15 عاما من حكم فاشل فاسد خرّب العراق وأهله.

المعارضون المقصودون في هذا المقال ليسوا البعثيين والداعشيين والإرهابيين كما يتم تصويرهم من قبل الأحزاب الحاكمة وأجهزة إعلامها، بل هم جمهور عراقي واسع يضم الأغلبية التي قاطعت الانتخابات ومن بينهم أهل المحافظات الغربية التي نكبت جراء احتلال داعش وهم الناشطون الذين قادوا التظاهرات في العاصمة العراقية والبصرة ومدن الجنوب، وهم نخب المفكرين والسياسيين والمثقفين داخل العراق وخارجه. هؤلاء جميعا معارضون للنظام القائم وحكم أحزابه ولو أجري استفتاء حرّ من جهات دولية لانكشفت حقيقة أن القلة الحاكمة هي وحدها المساندة للنظام القائم لأنها صاحبته وهي التي تمنحه مشروعيته المهتزة.

وهنا يبرز السؤال لرئيس الوزراء الجديد عادل عبدالمهدي رغم ما يعيشه من ظروف قاسية لا تتيح له الانتباه إليه، وقد لا تلفت انتباهه الحاشية الجديدة التي تتكون وتنمو وتشكل حاجبا بين المسؤول والشعب.

لماذا لا يتوجه عبدالمهدي إلى الشعب الغاضب المعارض للانتخابات ومخرجاتها ومن بينها الحكومة “الناقصة” ويكاشفه بالواقع المرّ الذي يعرفه؟ ولماذا لا ينفتح بصورة جدية على نخب المعارضة السياسية من المفكرين والمثقفين، شيعة وسنة وأكراد وتركمان ومسيحيين، وهم كثر وهو يعرف غالبيتهم، وبعض ما تفيض به أقلامهم كان يتابعه حين كان بين صفوفهم قبل ترأسه الوزارة؟ أليس مطلوبا من عادل عبدالمهدي المحاصر بالأحزاب التي تتصارع على توزيع حصص المناصب أن يذهب إلى الملجأ الحقيقي وهو الشعب دون إعلان استقالته حسب ما يسرب بالإعلام، ويتجاوز الأكذوبة التي يعرفها بأن الجالسين في مقاعد البرلمان هم ممثلو الشعب، ويوجه دعوة إلى السياسيين والمثقفين والإعلاميين العراقيين المعارضين في الداخل والخارج لانتداب عدد معقول من بينهم ويتم عقد مؤتمر حواري لبناء مشروع إنقاذي للعراق فيه مكاشفة حقيقية لفشل المشروع السياسي القائم، والدعوة لإعداد مشروع جدي من خلال هذا المؤتمر البعيد عن التوظيف الدعائي تتبناه القوى والشخصيات العراقية المعارضة دون التحرّش بالمؤسسات السياسية القائمة لكي لا يوصف الوطنيون بالفوضى والتآمر وتهديم العملية السياسية.

الهدف من ذلك هو العراق المهدّد بمخاطر جدية أكثر مما هو عليه الآن ومن أجل شعبه الذي يستحق التضحية ووحدته وسيادته. فإذا كان عبدالمهدي متطابقا مع أفكاره للتغيير الجدي، فهذا هو الطريق لإخراجه من ورطة هيمنة الأحزاب التي وقع فيها.

9