لماذا لا يحب الأتراك حليفهم الأميركي

أثارت العديد من الدراسات مسألة عداء المجتمع التركي للولايات المتحدة الأميركية قياسا بتصاعد وتيرته في السنوات الأخيرة، وخلصت إلى أن هذا العداء يتجاوز تطورات السياسة الدولية والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى أسباب أكثر عمقا منها ما يرجع إلى طبيعة المجتمع التركي، ومنها ما يمكن تصنيفه ضمن الأسباب التاريخية.
الأربعاء 2016/03/02
تلخيص للعلاقة بين قلعتي العلمانية في الغرب والشرق

لندن- ركزت العديد من الأبحاث واستطلاعات الرأي على العداء أو الكره الذي يكنه الأتراك للولايات المتحدة الأميركية وللأميركيين بصفة عامة، لكن في المقابل هناك لا نجد بحوثا بنفس الكم تتحدث عن نوعية المشاعر التي يكنها الأميركيون لتركيا أو للأتراك.

ويبدو أن مشاعر العداء لأميركا من قبل الأتراك بدت لافتة للانتباه أكثر من أي وقت مضى، فهل هذا العداء المكشوف يرجع في أسبابه العميقة إلى سياسات واشنطن تجاه أنقرة تحديدا أم أنه يتعدى ذلك إلى منطقة الشرق الأوسط ككل؟ وهل أن أسبابه أعمق من أن تكون نتاجا لأسلمة المجتمع التركي أم أن هناك أسبابا أخرى تقف وراء تنامي هذا العداء في السنوات الأخيرة لعل أبرزها سياسات الحزب الحاكم وعلاقات رجب طيب أردوغان الشخصية مع القادة الأميركيين؟ وهل هناك ما يفند مقولة وجود هذا العداء أصلا؟

أظهر استطلاعات للرأي صادر عن مركز بيو الأميركي للأبحاث واستطلاعات عام 2013 أن 73 بالمئة من الأتراك يكنون كرها شديدا للولايات المتحدة الأميركية مقابل 19 بالمئة فقط يحملون أفكارا إيجابية عن أميركا، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بغيرها من الدول التي شملها الاستطلاع. وقد كشف استطلاع سابق إبان انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية أنه رغم حدوث تحسن متفاوت في مواقف العديد من الدول من أميركا، إلا أن شعبيتها سجلت ارتفاعا ومثلت تركيا الاستثناء في هذا الاتجاه. ووفقا لمركز بيو وصلت نسبة “تصنيف الأفضلية” التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تركيا إلى 52 بالمئة في العام 1999- 2000، ثم سرعان ما انخفضت إلى نسبة 30 بالمئة في العام 2002، ومرت إلى 15 بالمئة في العام 2003، ثم 12 بالمئة في العام 2008. وفي العام 2009، مع ظهور إدارة أوباما، سجلت زيادة طفيفة قدرت بـ2 بالمئة أي أنها مرت من 12 إلى 14 بالمئة.

العداء السياسي تجاه الولايات المتحدة ارتفع منسوبه خاصة بعد تولي حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا

وبحسب دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى صدرت عام 2009، فإن مشاعر عداء الأتراك للولايات المتحدة الأميركية مستمرة، حيث أشار بعض المحللين على مدى السنوات الماضية، إلى أن إدارة جورج دبليو بوش التي لم تحظ بشعبية كبيرة، كانت وراء ولادة هذه المستويات العالية من مشاعر العداء للولايات المتحدة في تركيا.

ومع ذلك فإن الإشارة إلى ظاهرة كـ”مناهَضة البوشية”، تفترض ضمنا بأن نظرة البلد السلبية تجاه الولايات المتحدة سوف تتغير بمجيء إدارة جديدة، لكن استطلاعات الرأي كشفت أنه حتى برحيل بوش عن القيادة السياسية لأميركا فإن مشاعر العداء استمرت داخل المجتمع التركي. واستنتجت دراسة المعهد أن العداء القائم في تركيا تجاه الولايات المتحدة لا يتعلق بإدارات أميركية محددة بل إنه من الممكن أن تصبح المشاعر المعادية للولايات المتحدة، مكونا داخليا من مكونات المجتمع التركي.

المتأمل في العلاقات الأميركية التركية يدرك أن الأزمة السورية والأكراد يعمقان الخلاف بين البلدين، فلكل منهما حساباته ومصالحه السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأن إثارة مثل هذه الخلافات إلى جانب تبادل التصريحات العدائية بين قادة البلدين، سيفاقم بالضرورة مشاعر كره الأتراك لأميركا خاصة أن الساسة يتخذون من هذه النقطة سلاحا للتأكيد للشعب التركي على أن السياسات الأميركية تستهدف أمنه وتسعى إلى ضرب علاقاته بدول الجوار لتبسط سيطرتها في ما بعد وبشكل غير مباشر على منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وبغض النظر عن تضارب المصالح والسياسات الخارجية المعتمدة في البلدين، إلا أن العلاقات التركية الأميركية التي تبدو بمظهر الاتفاق والتعاون الدبلوماسي والأمني والاستخباراتي والتي تعود إلى أكثر من ستة عقود، لم تكن بمنأى عن الاضطرابات ولم تكن يوما علاقات مبنية على الانسجام والتكامل.

ورغم مرور 60 عاما من العلاقات الثنائية أي منذ انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي في العام 1952 واستهل رسميا بالتحالف بين الدولتين، إلا أن الخلافات كانت طاغية على مسار التوافقات بينهما. ففي عام 1964 وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقات التركية -اليونانية تتداعى بسبب قبرص، بعث الرئيس ليندون جونسون رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو يهدد فيها بالتخلي عن تركيا إذا ما أقدمت على استخدام القوة في الجزيرة القبرصية.

إثارة بعد الهوية والانتماء تستفز الأتراك وتجعلهم يميلون إلى كره الأميركيين، لأنهم فخورون بتاريخهم العثماني الكمالي
وحين دخلت القوات العسكرية التركية إلى قبرص عام 1974 لحماية القبارصة الأتراك، فرضت واشنطن حظرا على توريد الأسلحة إلى أنقرة ونتج عن ذلك جمود في العلاقات بين الدولتين حتى العام 1981، إلا أن العلاقة بينهما استعادت عافيتها لكن تغير سياقات العلاقات الدولية والسياسات الخارجية لكلا البلدين ساهم في استمرار اضطراب العلاقات بينهما.

ومن الطبيعي ألا تتحسن صورة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأتراك طالما أن قادتهم وحكومتهم يتهمونها بالوقوف ضدهم سياسيا وبأنها تدعم أعداءهم وبأنها تعتمد سياسات مناوئة ومنافقة تجاه أنقرة وشعبها. وهذا العداء السياسي تجاه أميركا ارتفع منسوبه خاصة بعد تولي الحزب الإسلامي (العدالة والتنمية) للحكم في تركيا لأنه دفع باتجاه استثماره من أجل كسب تأييد الشعب للسياسات التركية الخارجية. حيث ركز العدالة والتنمية ممثلا في رئيسه السابق أردوغان على القول، تصريحا أو تلميحا، بأن أميركا هي من تكره الخير للأتراك تبعا لكرهها للإسلام والمسلمين إما بسبب تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب أو بسبب تمسك الشعب التركي بهويته وبدينه أو للسببين معا.

وبالتالي فإن إثارة بعد الهوية والدين والانتماء تستفز مشاعر الأتراك وتجعلهم يميلون أكثر إلى كره الأميركيين لأنهم فخورون بهويتهم وبتاريخهم العثماني العلماني الكمالي وبثقافتهم وبدينهم الإسلامي، وبذلك فقد ترسخت نظرة الأتراك للأميركيين على أنهم يشكلون تهديدا للدين الإسلامي وأنهم يرغبون في إرسال الجيوش لغزو البلدان العربية الإسلامية بهدف السيطرة عليها.

ويرى محللون سياسيون أن عداء الأتراك للولايات المتحدة شعبا وحكومة تساهم توجهات السياسات الخارجية للبلدين في تغذيته عبر إثارة الحساسية المتعلقة بتمسك الأتراك بهويتهم ودينهم من قبل الساسة الأتراك. إضافة إلى الأبعاد التاريخية لعل أبرزها اتهام تركيا بالقيام بإبادة جماعية للأرمن في عهد الإمبراطورية العثمانية.

12