لماذا لا يستطيع كيري تبديد المخاوف العربية

الأربعاء 2013/11/06

هناك كلام كثير يدور في شأن الصفقة التي تسعى إيران إلى عقدها مع «الشيطان الأكبر». فحوى الصفقة، من وجهة النظر الإيرانية، البرنامج النووي العسكري في مقابل الاعتراف بالدور الإقليمي المهيمن لطهران من المحيط إلى الخليج وحتى إلى ما يتعدّى ذلك.

هذا يعني بطبيعة الحال بروز سؤال يطرح نفسه بإلحاح ليس بعده إلحاح: هل تكون هذه الصفقة على حساب دول الخليج العربية عموما ولبنان بشكل خاص؟

بكلام أوضح، هل تعتقد إيران أنّ في استطاعتها عقد صفقة مع الولايات المتحدة تتناول برنامجها النووي، في جانبه العسكري، في مقابل تكريس دورها على الصعيد الاقليمي بدءاً بالبحرين وصولا إلى لبنان، مرورا باليمن ودول الخليج والعراق؟ الأكيد أن الجولة العربية لوزير الخارجية الأميركي جون كيري التي بدأت بمصر والسعودية، لن تقدّم ولن تؤخر ولن توفّر الجواب الشافي لأي طرف عربي معني بما يمكن أن تسعى إليه إيران.

لم يعد مستبعداً أن تسمح الإدارة الأميركية الحالية بمثل هذه الصفقة في ضوء التصرّفات العجيبة لأركانها، على رأسهم الرئيس باراك أوباما. تبيّن أن الرئيس الأميركي مهتمّ بالرسائل التي على جهاز «بلاكبيري» الخاص به أكثر بكثير مما هو مهتمّ بالوضع السوري.

نقل عنه مسؤولون أميركيون أنّه كان يقلّب بين الرسائل التي على جهازه أثناء الاجتماعات التي كانت تنعقد على أعلى المستويات للبحث في ما يدور في سوريا وفي كيفية الرد على استخدام بشّار الأسد كلّ أنواع الأسلحة، بما في ذلك السلاح الكيميائي في المواجهة التي يخوضها مع شعبه. هذا على الأقلّ ما ورد في صحيفة «نيويورك تايمز» التي لا يمكن، إلى إشعار آخر، أن تخترع أخبارها.

في الماضي القريب، وفي كلّ الاجتماعات السرّية والعلنية التي دارت بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في شأن العلاقات بين البلدين، أكان ذلك في العراق أو على هامش المفاوضات في شأن البرنامج النووي، كان هناك دائما هدف إيراني واضح. يتمثّل هذا الهدف في الاعتراف بالدور الإقليمي لطهران، خصوصا بعدما نجحت في تحقيق ما تعتبره «إنجازات» معيّنة.

في مقدّمة هذه «الإنجازات» تأكيد طهران أنّها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في العراق. من يتذكّر أنّ إيران تركت العراق معلّقا من دون حكومة، كما الحال في لبنان الآن من أجل فرض نوري المالكي بديلا من إياد علاوي؟ كان ذلك في العام 2010 بعد فوز حزب علاّوي في الانتخابات النيابية بفارق صغير، لكنّه كان كافيا، ليسمح له بتشكيل الحكومة.

يأتي بعد ذلك، تحريك الوضع في البحرين من منطلق مذهبي، وتوسيع نفوذ «حزب الله» في لبنان وتوريطه بشكل مباشر في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري، على حساب مؤسسات الدولة اللبنانية طبعا. ترافق ذلك مع استكمال السيطرة على سوريا بعدما أصبح النظام فيها أسير الوجود العسكري والأمني الإيراني في لبنان، وحتّى داخل سوريا نفسها.

أمّا في اليمن، فقد أصبح لإيران وجود ثابت عبر «الحوثيين» الذين يتمددون يوميا في اتجاه صنعاء، وحتى في اتجاه الوسط الشافعي ومدينة تعز بالذات، كما يخوضون معارك مع السلفيين في الشمال اليمني بهدف الانتهاء من أي وجود معاد لهم فيه.

لا يمكن تجاهل النفوذ الإيراني في السودان أو في أريتريا، ومحاولات التسلل إلى البلدان العربية في المغرب. كذلك لا يمكن تجاهل أن إيران سعت إلى وضع الإخوان المسلمين في مصر تحت جناحيها قبل أن ينتفض الشعب المصري في الثلاثين من حزيران/يونيو الماضي، ويخلّص البلد من محاولة جدّية للقضاء على أي أمل في إعادة الحياة إليه.

أخيرا، وليس آخراً، سعت إيران ولا تزال تسعى إلى وضع يدها على القضية الفلسطينية والمتاجرة بالشعب الفلسطيني وتسخيره لخوض حروب تعود عليه بالويلات كما حصل في غزّة.

لم تكن إيران بعيدة في أيّ وقت عن محاولات زعزعة الأمن في الأردن وتشجيع كلّ من يعمل على ضرب الاستقرار في المملكة التي تقف في وجه السياسات الإسرائيلية ذات الطابع التوسّعي، بما في ذلك حماية القدس.

هذا مجرّد غيض من فيض «الإنجازات» التي حققتها إيران، خصوصا بعدما كانت المنتصر الأوّل والوحيد من الحرب الأميركية على العراق. هل تعترف الإدارة الأميركية بهذه «الإنجازات» وتعتبرها أمراً واقعاً لا يمكن الهرب منه؟

من الواضح أن إيران في حاجة إلى رفع العقوبات التي تعاني منها كي تلتقط أنفاسها وتتابع «إنجازاتها». هذا ما يدفع معظم العرب إلى التشكيك في جدوى أي صفقة أميركية- إيرانية، في حال كان مطلوباً تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط بدل زيادة البؤر المضطربة فيه من منطلق مذهبي.

الأكيد أن وزير الخارجية الأميركية، ليس الشخص الذي يستطيع تبديد المخاوف العربية نظرا إلى أن القرار في واشنطن يتخّذ في إطار حلقة ضيقة محيطة بأوباما بعيدا عن الخارجية وحتى عن وزارة الدفاع.

هناك شخصيات أميركية محيطة بالرئيس تمتلك نفوذاً كبيراً وتعتبر أن لا مصلحة للإدارة الأميركية بأي تورط من أي نوع كان في الشرق الأوسط وأنّ «الخطوط الحمر» التي يتحدّث عنها أوباما بين حين وآخر، ليست سوى كلام ليل يمحوه النهار.

هذا الواقع الأميركي ليس سرّا. كذلك، لم يعد سرّا أن إيران تسعى إلى الاستفادة منه إلى أبعد حدود. إنّها تحاول تمرير صفقة تكرّس دورها الإقليمي من منطلق أن سلاح «حزب الله» صار موجّها إلى السوريين واللبنانيين ولم يعد يشكّل تهديدا لإسرائيل، وأن النظام السوري يتعاون إلى أبعد حدود في مجال التخلّص من السلاح الكيميائي.

قد لا تمانع إدارة أوباما في مثل هذه الصفقة، خصوصاً أن رد الفعل الأميركي على استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي يشرّع الأبواب أمام كلّ المفاجآت التي لم تكن على الإطلاق من النوع الذي يسرّ العرب عموما.

مثل هذا الحذر العربي المشروع من السياسة الأميركية يفسّر إلى حدّ كبير ما أقدم عليه العرب الواعون أخيراً من خطوات لا يفهم منها إلا أمر واحد. هذا الأمر يتلخّص في أنّ المصالح العربية عموماً، لا يحميها ولا يدافع عنها إلا العرب أنفسهم.


إعلامي لبناني

8