لماذا لا يستوعب العرب قيم الديمقراطية

الخميس 2013/11/21

الراصد لمآلات الربيع العربي من خلال بعض المعطيات وفي مسألة النمو الديمقراطي تحديدا، تنتابه أحاسيس اليأس والقنوط، حيث كان يُتوقّع ازدهارها بعد أفول الأنظمة الشمولية التي سعت منذ عقود إلى إدخال تعديلات شكلية لا تمس حقيقة الديمقراطية سعيا منها لإسكات الضغوط الأجنبية الخارجية وإرضاء معارضيها في الداخل، والحال أن من يتابع ويرصد نمو الديمقراطية المتعثرة يطرح جملة من التساؤلات. حيث تبدو العلاقة بين العرب والديمقراطية متباينة، وغدا المفهوم مجرد نصوص نظرية في التشريعات والدساتير منذ خمسينات القرن الماضي ولم يترسخ كسلوك حضاري طيلة هذا الزمن رغم تنامي حالة الوعي وتطور ثورة المعلومات.

اللافت أن كل المختلفين في المشهد السياسي في بلدان الربيع العربي التي اجتاحتها موجة التغيير والتحولات يقرون بأهمية الديمقراطية (فكل يدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك) ولكن الحقيقة غير ذلك. فطالما تغزل المثقفون العرب بالديمقراطية منذ عقود، وسبقتهم إلى ذلك أعلام فكرية كانت تحلم بعصر النهضة منذ مطلع القرن المنصرم ولها نصوص أدبية في مقارعة الاستبداد وكانت لتلك النخب أفكار ورؤى طوباوية، وأخرى لامست هموم ذلك الجيل ولم يكن متوقعا تعثر وتأخر الديمقراطية لما يقارب القرن من الزمن. ويبدو أن منتصف القرن الماضي الذي يعتبر فترة الشرعية الثورية والمد القومي كان متجاوزا لقيم الديمقراطية المفترضة وتبين بمرور الزمن خطأ ذلك المسار، وعندما تعاملت الأنظمة العربية مع الديمقراطية كانت مكبلة بجيل مسخ تأثر بثقافة «العسكرتارية» والأنظمة الشمولية ومشبعة بهوس السلطة وهو ما تبين جليا بعد ثورات الربيع العربي حيث وأدت تلك القيم الديمقراطية لأسباب متباينة منها الصراع والخلاف الفكري الذي يرتكز على تيارين، تيار علماني مختلف المشارب وتيار ما يعرف بالإسلام السياسي. فانقسمت المجتمعات في تلك البلدان والأخطر من ذلك هو أن الاختلاف شمل المحسوبين على التيار الإسلامي والمنقسمين فيما بينهم مذهبيا الأمر الذي زاد من تداخل الدين (المذهبي) بالسياسي وبات سمة المشهد السياسي الحالي في أغلب بلدان الربيع العربي التي اجتاحتها الثورات منذ أكثر من عامين، ودخلت في صراع مزدوج على النحو المشار إليه وسط ذهول وحيرة الأغلبية الصامتة في مستنقع ضبابية المفاهيم وتاهت الشعوب التي تنشد الأمن والاستقرار والعيش الكريم في سوق النخاسة السياسية للأسف.

أهم ميزة في هذا الربيع العربي هو عملية خروج الجماهير بالملايين إلى الشوارع ولكن فهمها للديمقراطية كان قاصرا سواء كان هذا لدى النخب الحاكمة أو المحكومة من المثقفين وسواهم، ومن هنا فلسان حال الملاحظين يقول إن ما قامت به تلك الجماهير فشل أمام اختبار الديمقراطية. وهذا ما يجعل البعض يتساءل، هل أن العرب غير ناضجين ثقافيا وسياسيا رغم ممارستهم الطويلة للعمل السياسي، ولاسيما مع بداية الألفية الثالثة التي أصبحت ثورة المعلومات والاتصالات في متناول الجميع مثل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ونحو ذلك، كما أن النخب السياسية والثقافية في أغلبها أثبتت أنها انتهازية وطفيلية، وليست في مستوى المسؤولية التي انتظرها منهم الرأي العام، فتلك الفئات جمعتها المصالح وتحالفت مع السلطة في تسخير التشريعات والدساتير لأغراض آنية سرعان ما تثبت عدم جدواها.

أسفرت موجة الربيع العربي عن تناقض صارخ في مواقف النُخب المعوّل عليها في حمل مشاعل التغيير والتنوير، ففي الوقت الذي تتغزل بالديمقراطية فإنها تحنّ لجزمة العسكر، والأمثلة على ذلك كثيرة سواء في مصر الكنانة أو تونس أو حتى في اليمن وغيرها، غير مدركين أنه من السهولة بمكان تمرير وهم الديمقراطية في شعوب جاهلة جائعة بشراء أصواتها بل حتى دون إغرائها، فالجهل مسيطر على عقولها بولاء تلك الشرائح وحنينها لجلاديها. الإشكال الجوهري في التفكير الجمعي العربي أن الإنسان غدا يفكر بعقلية حاكمه، ولا يتبين للبعض مدى حجم الفساد والظلم إلا بعد رحيله. فقد ينظرون إلى حياتهم وفق رؤية النخب الحاكمة التي يحلو لها الترويج لمثل تلك الثقافات، ولم تتجرأ على إطلاق العنان لحرية الفكر بدراسة كل الظواهر وفق رؤية شخصية ووطنية في قراءة تاريخهم.

الإشكال الآخر أن البيئة المفترضة لنمو الديمقراطية غير متاحة في شعوب يجتاحها الفقر والأمية، إضافة إلى وجود نزعات أنانية ونرجسية لدى قيادات تقليدية لا تؤمن بحتمية التغيير بل تجترّ روحا إقصائية ونزعات انفصالية، وهو ما تبين بعد هدوء عاصفة الربيع العربي فرأينا الأقليات والإثنيات تتطلع إلى الاستقلال سواء كانوا أكراد العراق أو طوارق ليبيا أو المجموعات المسلحة في شمال اليمن وجنوبه.

المفارقات في الحالة اليمنية هو التقاء النزعات الجهوية في جنوبه بالمذهبية في شماله، وكل منهما يريد تقرير مصيره، كل ذلك جرّاء غياب الديمقراطية الحقيقية، وبدلا من البحث عن الدواء يتجهون إلى بتر كياناتهم، فما ذنب الأرض والجغرافيا عندما تتعرض لسكاكين الساسة وذبح الأوطان فقط من أجل السلطة. الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان قِيمُ عظيمة لم ينعم الغرب بها إلا بعد قرون من المعاناة من سيطرة الكنسية والإقطاع، وتطورت من خلال خبرات ومخاض طويل وعسير، والديمقراطية ترمي إلى تحقيق توازن مجتمعي ونوع من العدالة الاجتماعية وهو الأمر الذي يقلل من حالة الاحتقان المفترضة.

لقد مرت أوروبا في تاريخها الحديث بفترة من عدم الاستقرار والنزاعات الإقليمية والحروب الدامية، لكنها فترة ولّت دون رجعة منذ نهاية النصف الأول من القرن الماضي معلنة عهدا جديدا من التعايش وقبول الآخر وشهدت الخمسينات بداية نواة الاتحاد الأوروبي. أما التحول في بلدان أوروبا الشرقية التي انتقلت من الحكم الشمولي إلى الديمقراطي فقد تحقق بوعي تلك الشعوب ومقدرتها على تخطي العقبات المحتملة، وعدم انزلاقها إلى الفوضى أو الاقتتال والتنافس على السلطة إلا ضمن اللعبة الديمقراطية التي أقر بها جميع اللاعبين. وليس نجاح الديمقراطية حكرا على الغرب فحسب ولكنها أقدم النماذج، فهناك أمثلة من دول آسيوية وأميركية لاتينية قد ذهبت فيها الانقلابات العسكرية إلى غير رجعة. فلماذا تعثر التحول الديمقراطي لدى العرب ونجح لدى غيرهم؟

لعل من إفرازات الثورات العربية هو وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة مما خلق حالة من عدم الرضى من قِبل القوى المعارضة لها، لاسيما تلك التي تجذّر فيها الفكر الليبرالي والعلماني كما في مصر وتونس، ولكن الأمور سارت بخلاف ما كان متوقعا فلا شفافية ولا حرية بل ازداد قمع الحريات الشخصية إلى درجة طالت إقصاء حق الحياة من خلال الاغتيالات التي حصلت في تونس وليبيا وكانت سلوكا مفاجئا في المشهد السياسي. كل هذه التحليلات وغيرها إذن تطرح سؤالا مهما حول جهوزية العرب للممارسة الديمقراطية وللإيمان بالاختلاف في كل معانيه.


كاتب وسياسي يمني

8