لماذا لا يفيد بشار.. الهرب إلى تركيا؟

الأربعاء 2013/10/09

هل من أمل في إعادة بشّار الأسد إلى أرض الواقع؟ الأمر مستبعد إلى حدّ كبير نظرا إلى أنه لا يزال يعتقد أن شيئا لم يتغيّر في سوريا، وأنها ما زالت كما كانت عندما تركها له والده يوم وفاته في السنة 2000. ما يؤكد ذلك أن بشّار يهدّد هذه الأيّام تركيا ويتوعّدها بدفع «ثمن غال» لتدخلها في سوريا. هل من دليل أبلغ من هذا الدليل على أنّ رئيس النظام السوري لا علاقة له بما يدور في البلد؟

تكمن مشكلة بشّار الأسد بكلّ بساطة في أنه لا يريد الاعتراف بأنه ليس شرعيا وأن النظام الذي يسيّر البلد ويتحكّم به والذي جاء به إلى الرئاسة في السنة 2000 لا علاقة له من قريب أو بعيد بأيّ نوع من الشرعية.

هذا لا يعني أن تركيا منزّهة وأن لا مآخذ على سياستها وتصرّفاتها العجيبة الغريبة التي تنمّ عن جهل في الوضع العربي عموما. فتركيا أخطأت عندما وقفت ضد ثورة الشعب المصري الذي انتزع في الثلاثين من حزيران-يونيو الماضي أرض الكنانة من الإخوان المسلمين. أراد هؤلاء الاستيلاء على مؤسسات الدولة المصرية وتطويعها بما يخدم مصالحهم ويمكنهم من إدامة حكمهم. إنهم لا يختلفون في ذلك عن العسكر الذين حكموا مصر منذ عام 1952 وجعلوا البلد في حال من التراجع المستمرّ.

كذلك، خذلت تركيا الشعب السوري في ثورته على نظام ظالم لا يؤمن سوى بلغة واحدة هي لغة إلغاء الآخر. قصّرت حكومة رجب طيّب أردوغان في دعم الشعب السوري عندما أغدقت وعودا لم تلبّ معظمها. بدت هي الأخرى وكأنها لا تعرف الكثير عن سوريا على الرغم من ادعاء وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو العكس. أوحى داود أوغلو بأن زياراته المتكررة للمدن والمناطق السورية جعلت منه في السنوات الأخيرة خبيرا في الشؤون السورية على معرفة بأدّق التفاصيل المتعلقة بما يدور في البلد.

تبيّن مع الوقت أنّ ذلك ليس صحيحا. تبيّن خصوصا أن الشعب السوري كلّه يعادي النظام ويرفضه. الأمر لا يقتصر على جماعة الإخوان أو المجموعات المتطرفة المنبثقة منها التي لا تؤمن بأي نوع من الديمقراطية ولا تعرف أن سوريا أرض التنوّع والعيش المشترك بين ديانات وقوميات مختلفة، منذ زمن بعيد. لم تستطع تركيا، في سعيها إلى دعم الثورة، التفريق بين من يستطيع بالفعل المساهمة في إقامة سوريا جديدة ذات مؤسسات ديمقراطية من جهة، وفريق لا يؤمن سوى بالتطرف والتزمت المذهبي والديني من جهة أخرى.

رغم ذلك، يبقى أن الحملة الأخيرة التي شنّها الأسد الابن على تركيا كشفته مجددا. كشفت مرّة أخرى أنه لا يعرف شيئا غير ممارسة لعبة الهروب إلى الأمام، وكأنّ هذه اللعبة رياضته المفضّلة. فمشكلة الرجل ليست مع تركيا. إنها بكلّ بساطة مع الشعب السوري الذي بات الآن يرفض الذل.

في حال كان مطلوبا أن يكون الكلام في شأن مشكلة النظام السوري كلاما أكثر دقّة، فإنّ ما يمكن قوله أن شباب سوريا انتفض في البداية على الآباء الذين قبلوا العيش حياة المواطن-العبد التي فرضتها الأجهزة الأمنية إبّان الوحدة مع مصر بين العامين 1958 و1961 واستعادها حزب البعث عبر ضباطه بعد انقلاب الثامن من آذار- مارس 1963.

باسم «الوحدة العربية» تحكّم الضابط عبدالحميد السرّاج- الذي توفي قبل أيام في منفاه القاهري- بالسوريين، وحتى باللبنانيين الذين رفضوا أن يكونوا عملاء للنظام. من بين هؤلاء فرج الله الحلو الذي كان أحد قادة الحزب الشيوعي اللبناني الذي أذابه السرّاج بالأسيد. هناك ثقافة جديدة، هي ثقافة الأجهزة الأمنية، فرضت على شعب حيّ كان في استطاعته تحويل سوريا إلى إحدى أكثر الدول تقدّما في المنطقة بفضل ما تمتلكه من ثروات، في مقدّمها ثروة الإنسان.

جاء حافظ الأسد عام 1970 ليكرّس هذا النظام الأمني الجاثم على صدور السوريين وليعززه بهيمنة الأقليّة العلوية على مرافق الدولة واقتصادها ومواردها، وصولا إلى ما آلت إليه الأوضاع في ظلّ نظام بشّار الأسد. جديد هذا النظام، بعد السنة 2000، أن عائلة واحدة صارت تمتلك سوريا كلّها، وأن إيران صارت الحامي الحقيقي للنظام. انحاز بشّار الأسد إلى مزيد من القمع وإلى مزيد من الطائفية والمذهبية عن طريق تعميق الحلف الذي أقامه مع النظام الإيراني من منطلق فئوي قبل أيّ شيء آخر.

باختصار شديد، ما يعجز أركان النظام السوري، في مقدّمهم الأسد الابن، عن استيعابه أن شباب سوريا قرّر التخلّص من النظام، وأن الحملة على تركيا لم تعد تنطلي على أحد.. وذلك بغض النظر عن التحفظات عن حكومة أردوغان وسياساتها المتذبذبة.

أكثر من ذلك، إنّ التخلص من الضربة الأميركية لا يعني شيئا ولن يثبط عزيمة السوريين. إنه لا يعني تحقيق أي انتصار بأيّ شكل كان. أدى التهديد بالضربة النتائج المطلوبة، بمجرد اعتراف النظام بامتلاك كمّيات ضخمة من السلاح الكيميائي الذي لا يستهدف إلا الشعب السوري.

لكلّ شيء نهاية. لا يشبه النظام السوري سوى الأنظمة التي كانت قائمة في أوروبا الشرقية. انتهت هذه الأنظمة في اليوم الذي سقط فيه جدار برلين في تشرين الثاني-نوفمبر 1989. انتهى النظام السوري في اليوم الذي كسر فيه مراهقون من درعا ودمشق حاجز الخوف في آذار-مارس 2011. سقط النظام بسقوط جدار الخوف. لن ينقذه لا اتهام بشّار الأسد للشعب السوري بأنه مجموعة «إرهابيين» ولا الحملة على تركيا.. ولا الاستعانة بميليشيا مذهبية عناصرها لبنانية تابعة لإيران من أجل الدفاع عن مواقع في دمشق ومحيط حمص، أو لشن حملات تطهير ذات طابع طائفي ومذهبي في هذه المنطقة أو تلك.

من يحتاج ميليشيا مذهبية تأتي من لبنان للدفاع عنه ومنع سقوطه، إنما هو ساقط أصلا.


إعلامي لبناني

8