لماذا لا يمكن لوم المعارضة السورية؟

الأحد 2014/01/12

يثير تصرّف قسم من شخصيات المعارضة السورية علامات استفهام، خصوصا في ظلّ الحملات المتبادلة بين المجموعات التي تتألّف منها تلك المعارضة. أكثر من علامات الاستفهام، هناك ما يثير الاشمئزاز، لا لشيء سوى لأنّه يفترض في المعارضة السورية في الخارج أن تكون الواجهة التي تعكس صورة عن ثورة حقيقية لشعب مقاوم. إنّه شعب يسعى إلى استعادة كرامته بعد نصف قرن من حياة أقرب إلى الذلّ من أيّ شيء آخر.

من يراقب، ولو من بعيد، الاجتماعات التي تعقدها المعارضة في اسطنبول أو غيرها من المدن، يصاب بخيبة. يتولّد لديه شعور بأنّ الشعب السوري لا يمكن أن ينتصر يوما على نظام حرمه من أبسط حقوقه وكرّس جهوده من أجل تعميق الشرخ الطائفي والمذهبي في بلد كان مفروضا أن يكون من أفضل دول المنطقة، على كلّ صعيد.

تبدو مأساة المعارضة السورية واقعا لا يمكن الهرب منه. هل مطلوب الاستسلام لهذا الواقع والقبول ببقاء النظام العائلي- البعثي الذي ليس في واقع الحال سوى مافيا عائلية تحكم بلدا عن طريق الأجهزة الأمنية؟

من حسن الحظ أن المعارضة شيء والثورة التي يخوضها الشعب السوري شيء آخر. قد تنتصر هذه الثورة كما قد لا تنتصر نظرا إلى أن الكيان السوري مهدّد بالتفتيت. إلاّ أنّ ثمة ملاحظات عدّة يمكن أن تساق على هامش الشتائم التي يتبادلها بعض المعارضين في ما بينهم.

قبل كلّ شيء، لم ينشأ المعارضون في بيئة ديموقراطية تسمح لهم بالأخذ والردّ بشكل حضاري. هناك معارضون عاشوا في الخارج أسرى أوهام تتعلّق بسوريا بصفة كونها قلب العروبة النابض. هؤلاء يرفضون أساسا الاعتراف بوجود مشكلة طائفية ومذهبية في سوريا. يرفضون أية مقارنة مع لبنان. أحدهم سارع إلى اعتبار تلك المقارنة إهانة له. لدى هؤلاء المعارضين فكرة خاطئة عن سوريا لا علاقة لها من قريب أو بعيد بنظام قام منذ البداية على الطائفية والمذهبية، خصوصا منذ الانقلاب العسكري في العام 1966 وهو انقلاب لعب الدور المحوري فيه الضباط العلويون.

زرع هذا الانقلاب بذور الطائفية والمذهبية في سوريا. قبل انقلاب 1966، كانت الطريقة التي قمعت بها الانتفاضة الأولى لحماة في العام 1964 مقدّمة لما ستتعرّض له المدينة من مجازر في 1982. بين الثامن من آذار- مارس 1963 والثالث والعشرين من شباط- فبراير 1966، استخدم الضباط العلويون شعارات البعث ومدنييه والضباط السنّة والدروز والإسماعيليين والشركس للانتهاء من حماة التي كانت ترمز إلى رفض المدن السورية الكبرى، على رأسها دمشق وحلب وحمص، المشروع الذي يسعى إلى تحقيقه هؤلاء الضباط.

شيئا فشيئا، تحولّت سوريا إلى سجن كبير. شيئا فشيئا، خصوصا منذ العام 1970 حين تفرّد حافظ الأسد بالسلطة، صارت الطائفة الحزب الحاكم. لم يعد البعث سوى غطاء لها. لا يمكن إلاّ الاعتراف بأن حافظ الأسد كان يمتلك عقلا فريدا من نوعه. استطاع الاستفادة إلى أبعد حدود من عدائه للنظام البعثي الآخر في العراق الذي صار على رأسه صدّام حسين منذ العام 1979. ومن عداء هذا النظام له عرف جيّدا كيف يقيم توازنا إقليميا يجعل من سوريا دولة مهمّة على كلّ صعيد.

فضلا عن ذلك، استطاع الأسد الأب إقامة تحالف من نوع جديد بين العلويين وسنّة الأرياف والأقلّيات. حاول نقل هذه التجربة إلى لبنان الذي استخدم المسلحين الفلسطينيين للسيطرة عليه وتدمير مؤسساته. ولمّا واجه مقاومة بدأ الاغتيالات التي طالت في البداية كمال جنبلاط وصولا إلى الرئيس رينيه معوّض مرورا بالرئيس بشير الجميّل والمفتي حسن خالد. عدد المجازر التي ارتكبها النظام السوري في لبنان لا يحصى…

ألغى حافظ الأسد الحياة السياسية في سوريا. حاول عمل الشيء نفسه في لبنان من منطلق طائفي ومذهبي أيضا. لذلك، كان تركيزه دائما على تدمير الشخصيات والرموز السنّية المنتمية إلى المدن الكبرى وعلى التخلّص من أي شخصية مسيحية تستطيع لعب دور على الصعيد الوطني.

لا يمكن لوم بعض شخصيات المعارضة السورية التي عاش أفرادها في هذا السجن الكبير على تصرّفاتهم. لا يمكن حتى لوم الذين ذهبوا إلى الخارج وأقاموا في باريس وغير باريس وهم لا يريدون الاعتراف بما يجري على الأرض السورية. نعم، سوريا تغيّرت جذريا منذ ما قبل العام 1970 وتغيّرت نحو الأسوأ مع خلافة بشّار الأسد لوالده، خصوصا بعد اختزال الطائفة بالعائلة وبعد الذهاب بعيدا في لعبة التحالف مع إيران، بامتداداتها اللبنانية، من منطلق مذهبي بحت.

لم تكن لدى بشّار المعرفة الكافية بالأرض السورية. لم يدرك أهمّية سنّة الأرياف والمدن الهامشية من أمثال حكمت الشهابي ومصطفى طلاس وعبدالحليم خدّام وفاروق الشرع وكثيرين غيرهم. كان والده يستعين بهؤلاء لتأكيد أن هناك بديلا من سنّة المدن الكبيرة.

ولذلك، سقط نظام بشّار الأسد في اليوم الذي ثار فيه أولاد درعا، عاصمة حوران، وكتبوا شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” على حائط المدرسة.

من يتوقع تصرّفات مختلفة تصدر عن شخصيات سورية معارضة تجتمع في الخارج بعدما أمضت حياتها في البلد- السجن، إنّما يراهن على سراب. طريقة تصرّف بعض هذه الشخصيات أكثر من طبيعية.

ما ليس طبيعيا هو ذلك الصمود للشعب السوري، وهو صمود يعبّر عنه يوميا بأشكال مختلفة. لعلّ أفضل تعبير عن هذا الصمود في هذه الأيّام التصدي لـ”داعش” التي ليست سوى تنظيم متطرّف يحظى بدعم النظام. لماذا يدعم النظام “داعش”؟ لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أنه يريد أن يكون الشعب السوري كلّه على شاكلة “داعش” لتبرير المجازر التي يرتكبها.

هذه لعبة قديمة تجاوزها الزمن. الشعب السوري كشف اللعبة وعمل على إحباطها. أما المعارضة التي لم تستطع يوما الارتقاء إلى مستوى الثورة فهي لا تزال في حاجة إلى وقت طويل كي تتذكّر أنها صارت خارج السجن السوري الكبير وأنّ الشتائم المتبادلة والتخوين لا يمكن أن تكون جزءا من ثورة شعب يعرف تماما من هو عدوّه وأن طريق الخلاص يمرّ بالتخلّص من هذا العدوّ أوّلا…

4