لماذا لا ينتصر "حزب الله" للبنان؟

الأحد 2014/10/12

يبدو "حزب الله" مصرّا على الانتصار على لبنان، الدليل كلّ ممارساته الأخيرة، بدءا برفض تسليم المتهمين بتنفيذ عماية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه (ومن قبل ذلك)، وصولا إلى الهرب من سوريا إلى التحرّش بإسرائيل. لا يقيم أي اعتبار للدولة اللبنانية التي يعاملها باحتقار وازدراء، كأنّها عدوّه الحقيقي.

يفعل ذلك، على الرغم من أن أمامه خيارا آخر كان يمكن أن يسهّل عليه الخروج من الأزمة العميقة التي يمرّ بها. كان في استطاعته، بكلّ بساطة، الانتصار للبنان الذي هو في نهاية المطاف ضمانة لكلّ المواطنين اللبنانيين بدل العمل اليومي الدؤوب على تدمير البلد ومؤسساته الواحدة تلو الأخرى.

ماذا يفعل “حزب الله” في سوريا ولماذا يشارك في ذبح الشعب السوري؟ السؤال قديم ـ جديد، وهو في غاية الوضوح ويفترض أن يكون الجواب في المستوى نفسه من الشفافية.

ذهب الحزب إلى سوريا لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أن إيران طلبت منه ذلك. ليس في استطاعة الحزب الذي ليس في نهاية المطاف سوى ميليشيا مذهبية وجزء لا يتجزّأ من “الحرس الثوري” الإيراني سوى الانصياع لما يصدر عن طهران “مهما كلّف الأمر".

لعبت إيران، إن عبر ممارساتها في العراق أو عبر تدخلها المكشوف إلى جانب النظام السوري، دورا في انتعاش “داعش” وذلك من منطلق مذهبي بحت. كان الهدف من إطلاق “داعش” مجددا، في مرحلة معيّنة، ابتزاز الأميركيين عندما كانوا في العراق. بعد ذلك، أي بعد اشتعال الثورة في سوريا، صارت “داعش” تخدم النظام الذي أراد إظهار نفسه في مظهر من يحارب الإرهاب!

من هذا المنطلق، عمل هذا النظام على إطلاق إرهابيين من سجونه، فيما ضغطت إيران على حكومة نوري المالكي، السعيدة الذكر، من أجل إخراج إرهابيين آخرين من الطينة ذاتها من السجون العراقية.

لم يدرك النظامان الإيراني والسوري أنّ لعبة “داعش” سترتد عليهما عاجلا أم آجلا. لم يدرك “حزب الله” أن هذه اللعبة سترتد عليه أيضا وأن تجاهل الحدود بين لبنان وسوريا بحجة حماية قرى شيعية ثمّ بحجة حماية المزارات الشيعية سيفتح الأبواب أمام إزالة الحدود بين سنّة العراق وسنّة سوريا.

من يلعب لعبة إثارة الغرائز المذهبية ويستثمر فيها، لا يمكن أن يحصد شيئا آخر غير امتداد نار هذه اللعبة إليه.

ليس بالسعي إلى فتح جبهة شبعا مع إسرائيل، من دون علم الدولة اللبنانية، يمكن التغطية على قرار الذهاب إلى سوريا الذي أدى إلى حصول ما حصل في بريتال أخيرا. مثل هذه التصرّفات تكشف “حزب الله” ومدى عمق الأزمة التي يمرّ فيها، وهي أزمة الارتهان لإيران أوّلا. على من يتصرّف تصرّف “داعش” في سوريا أن يتوقّع الأسوأ. والأسوأ هنا وصول “داعش” إلى مناطق لبنانية وشنّها هجمات على مواقع لـ”حزب الله” بعدما أسرت قبل ذلك جنودا لبنانيين في عرسال…

لماذا على لبنان تحمّل النتائج الكارثية المترتبة على ما يرتكبه “حزب الله” في سوريا؟ إنّه السؤال الذي يهرب منه الحزب الذي يصرّ على رفض احترام ذكاء اللبنانيين من جهة ورفض تحمّل مسؤولياته تجاه المواطنين من كلّ الطوائف والمذاهب والمناطق، بما في ذلك أبناء الطائفة الشيعية الكريمة من جهة أخرى.

يجد لبنان نفسه أمام وضع لا يحسد عليه بعدما تبيّن للمرّة الألف أنّ “حزب الله” لا يستطيع أن يكون أكثر من أداة إيرانية. فلو كان الحزب صادقا مع نفسه ومع اللبنانيين، لكان اعتذر عن كلّ ما قام به في الفترة الماضية. ذلك أن كلّ تصرّفاته صبّت في خدمة مشروع إفقار لبنان ونشر البؤس فيه وتهجير أهله وإثارة الغرائز المذهبية.

ما الهدف من جريمة اغتيال رفيق الحريري المتهم الحزب بها؟ ما الهدف من افتعال حرب صيف العام 2006؟ ما الهدف من الاعتصام وسط بيروت؟ ما الهدف من دعم النظام السوري، الذي افتعل حرب مخيّم نهر البارد في شمال لبنان وراهن عليها، بواسطة فصيل “داعشي” اسمه “فتح الإسلام”؟ ما الهدف من غزوة “حزب الله” لبيروت والجبل التي ولّدت جرحا مذهبيا قد لا يندمل؟ ما الهدف من إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري وتشكيل حكومة تابعة لإيران برئاسة نجيب ميقاتي؟ ما الهدف من السعي إلى توريط الجيش اللبناني في عرسال؟ ما الهدف من التدخل في سوريا إلى جانب نظام يذبح شعبه يوميا؟ ما الهدف من منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان؟

هذا غيض من فيض ارتكابات “حزب الله” الذي وافق على كلّ كلمة في القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي أوقف العمليات العسكرية صيف العام 2006.

هناك خيط غليظ يجمع بين كلّ هذه الأحداث. تجسّد هذا الخيط الرغبة في الإساءة إلى لبنان وأهله وتكريسه “ساحة” إيرانية. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان القرار 1701 الذي جعل جنوب لبنان ينعم بثماني سنوات من الهدوء والاستقرار، انسحب أيضا على طول الحدود بين لبنان وسوريا.

يبدو كافيا أن يكون قرار “حزب الله” رهينة لدى إيران كي يصبح لبنان كلّه رهينة لديها وكي يكون هدف الحزب، وهو هدف إيراني، الانتصار على لبنان بدل الانتصار للبنان.

ما نشهده حاليا فصل آخر من المأساة اللبنانية التي بدأت في العام 1969 عندما أُجبر العرب لبنان على توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم الذي سمح للمسلحين الفلسطينيين بتدمير السيادة والسيطرة على غير منطقة لبنانية. دخل لبنان في دوامة لم يخرج منها إلّا بعد صدور القرار 1701 الذي أتى بالقوة الدولية المعززة وأعاد الجيش اللبناني إلى جنوب لبنان. هل ينجح “حزب الله” بنسف القرار 1701 بدل العمل على جعله يشمل الحدود مع سوريا ويغطيها؟

ربّما كان السؤال الصحيح، هل تريد إيران التخلص من القرار 1701 بغية ايجاد مخرج لـ”حزب الله” الغارق إلى ما فوق رأسه في المستنقع السوري؟ المؤسف في الأمر أنّ “حزب الله” ليس صاحب قراره. القرار في طهران.

هذا ليس سرّا عسكريا. ليس في الحزب من يستطيع القول بصوت عال إن الانتصار على لبنان ليس بديلا من الانتصار على إسرائيل.

المؤسف أيضا أن لا همّ لدى إيران سوى إيران ومصالحها. لبنان ليس سوى “ساحة”. يستطيع “حزب الله” الدفاع عن النظام السوري وخوض معاركه حتّى آخر لبناني وسوري وعراقي…أمّا لبنان ومستقبل أبنائه فهو تفاصيل. يبدو أنّ “حزب الله” وجد أصلا لهذا الغرض لا غير.

3