لماذا لا يهتم الأردنيون بالتعديلات الوزارية

التعديل الوزاري لن يأتي بجديد ما دام الوزراء يعيّنون دون سبب معروف ويقالون دون الخضوع للمساءلة لا في البرلمان ولا في إطار المنظومة القضائية عن الأخطاء أو التقصير الذي ارتكبوه.
الأربعاء 2021/03/31
معارك السوشيال ميديا تمثل مرآة صغيرة لتحديات الإصلاح السياسي في الأردن

تعوّد الأردنيون ألا يعرفوا دائما لماذا تتشكل الحكومات أو يتغير الوزراء، وهم يتساءلون الآن في ظل الأزمة الوبائية الطاحنة عن سبب بقاء حقيبة الصحة بلا وزير أصيل منذ فاجعة مستشفى السلط الحكومي حين أقيل الوزير السابق، وهو أستاذ في الطب ويعد من المختصين في علم الأوبئة.

تعديل وزاري منتظر يأتي بعد أن استعادت الحركة الاحتجاجية شيئا من زخمها في الآونة الأخيرة. هذه الحركة التي تطالب بتغيير آلية تشكيل الحكومات وتعيين الوزراء، وهي السلطة المنوطة دستوريا بالعاهل الأردني.

قلة تهتم بالتعديل الوزاري المتوقع قريبا، مع أن التعديل ضروري ولو من الجانب النظري لإنهاء الإشراف على وزارة الصحة من قبل وزير الداخلية، ولتعيين وزير للعمل إثر استقالة الوزير السابق بعد ساعات من أداء اليمين القانونية.

النظام الصحي في الأردن يتعرض في الآونة الأخيرة لضغوط كبيرة مع ارتفاع الإصابات والوفيات إلى مستويات غير مسبوقة. ورغم هذا ظلت وزارة الصحة تدار من قبل وزير الداخلية الذي انضم للحكومة لأول مرة منذ أقل من شهر فقط حين كان ضابطا كبيرا في الجيش.

في الذكرى العاشرة لانطلاق النسخة الأردنية من “الربيع العربي” تمكنت أجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية من وأد الاحتجاجات المتفرقة التي اندلعت الأسبوع الماضي في مدن عدة واعتقلت العشرات بتهم التجمهر ومخالفة معايير التباعد البدني.

المشهد الاحتجاجي الآن يختلف كليا عما كان عليه في 2011 رغم أن المطالب واحدة وتتلخص بتعديلات دستورية تفضي إلى تشكيل حكومات منتخبة من البرلمان.

مخاطر وتداعيات الوباء التي أصابت الحكومة بحالة من عدم الاستقرار أدت أيضا إلى عزوف الكثيرين عن المشاركة في المظاهرات على الأرض وصارت وسائل التواصل الاجتماعي الساحة الوحيدة للاحتجاج، وكذلك للتسفيه والتخوين بين مؤيدي الحراك ومناهضيه داخل الأردن وخارجه.

وإذا كانت مجموعة المعارضين المغتربين المؤيدين للتظاهر تتفق تماما في الأهداف مع منظمي الحراك في الداخل، غير أن خطابها الذي يراه كثيرون موجها بشكل مباشر ضد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني هيمن على النقاش العام ونقله إلى ساحة أخرى أبعد ما تكون عن الحراك.

أما مؤيدو الحراك في الداخل فيحومون حول الحمى ولا يقعون فيه. يطالبون بحكومات منتخبة ولا يتعرضون صراحة للملك عبدالله الثاني. هم عمليا ينادون بسحب سلطة تعيين الحكومات من العاهل الأردني وإسنادها إلى البرلمان، وإن بنبرة مخففة.

Thumbnail

الأردنيون الممنوع عليهم الخروج من بيوتهم بعد غروب الشمس يتسمرون على نوافذ السوشيال ميديا ويراقبون التناقضات والمفارقات حول المصير الذي آل إليه الحراك.

“الملكيون أكثر من الملك” أو ما اصطلح على تسميتهم في الأردن بـ”السحّيجة” يهاجمون الحراك ويتهمونه بالخيانة من باب أنه يطالب بحكومات منتخبة، وهي ما دعا إليها الملك عبدالله الثاني وسبق أن كتب عنها قبل سنوات ضمن “الأوراق النقاشية” وفي سياق من الإصلاحات السياسية “التدريجية” الموعودة.

الحراك يتهم الرافضين لانتخاب الحكومات بالسفه والتأييد الأعمى أو”التسحيج” للملك عبدالله الثاني والحكومة والتبعية للأجهزة الأمنية.

أحد الاتهامات التي يسوقها مناهضو الاحتجاج لحراك “24 آذار” هو تنفيذ “أجندات خارجية” مفروضة على الأردن من الكونغرس الأميركي واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وكلاهما تربطه بالملك عبدالله الثاني علاقات تقليدية جيدة. ويستقبل العاهل الأردني في قصره الكثير من المشرعين الأميركيين النافذين أو الأعضاء القياديين في لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية “أيباك”.

معارك السوشيال ميديا تمثل مرآة صغيرة لتحديات الإصلاح السياسي في الأردن قبل الوصول إلى هدف الحكومات المنتخبة، وما يحتاجه ذلك من خطوات تشريعية ضرورية تفضي إلى تعزيز مبادئ المشاركة في الحكم ونشر الثقافة السياسية في المجتمع.

قبل الخطوة الرئيسية المتمثلة بتعديل الدستور لتقييد صلاحيات الملك عبدالله الثاني في تعيين الحكومات والوزراء، يحتاج الأردن إلى قوانين عصرية خصوصا للأحزاب والانتخاب، فهل يمكن للنواب إقرارها في البرلمان الحالي الذي يمثل أقل من ثلث الناخبين أو حتى بعد أربع سنوات في البرلمان المقبل؟

الواقع يقول إن انعدام الثقة بين الناس والحكومات ينسحب على البرلمان الذي يغيب عنه أي تمثيل حزبي، بعد سنوات طويلة ظلت فيها هذه المؤسسة الدستورية شبه معطلة عن واجبها التشريعي وأيضا رقابتها على أداء الحكومة. وغالبا ما كان البرلمان محاطا بالانتقادات وأحيانا السخرية ومتهما بالتبعية للحكومة وتوجهاتها.

وصفة الإصلاح تقول إن البرلمان هو الذي يشكل الحكومة من خلال الأحزاب الممثلة تحت قبته. لكن الأحزاب حاليا وفي السنوات الماضية ليست أفضل حالا من الحكومة والبرلمان ولا تحظى باهتمام كثير من الناس في المجتمع الذي تغلب عليه الانتماءات العشائرية والمناطقية.

التعديل الوزاري الجديد لن يأتي بجديد ما دام الوزراء يعيّنون دون سبب معروف ويقالون دون الخضوع للمساءلة لا في البرلمان ولا حتى في إطار المنظومة القضائية عن الأخطاء أو التقصير الذي ارتكبوه.

الإصلاح لن يأتي بين يوم وليلة ولكن لا بد من اتخاذ خطوة أولى جادة وصادقة تساهم في تبديد حالة الإحباط العامة المزمنة تجاه التحول الديمقراطي الحقيقي في الدولة التي تحتفل بمرور مئة عام على نشأتها وتصف نفسها دائما بأنها “دولة قانون ومؤسسات”.

8