لماذا لا يوجد أفق للحل السياسي في ليبيا؟

الحل السياسي كما يراه الجيش هو مناقض تماما للحل السياسي الذي يراه الطرف المقابل المتمثل في جماعات الإسلام السياسي والميليشيات الخارجة عن القانون والتحالف القطري التركي الإخواني.
السبت 2020/05/30
الجيش لتحرير الوطن من الغزاة الأتراك والمرتزقة الأجانب

لا يكاد يمر يوم واحد دون أن تصدر تصريحات ومواقف وتوصيات إقليمية ودولية تنادي بالحل السياسي في ليبيا، غير أن الصراع مستمر والحرب لا تزال مستعرة حول العاصمة طرابلس، والجيش الوطني يواصل عملياته الميدانية لتحرير ما تبقى من غرب البلاد في أيدي الميليشيات وجماعة المرتزقة والإرهابيين الناشطين تحت غطاء التدخل التركي السافر.

أصبح الحل السياسي في ليبيا مجرد مفردات هلامية، وهي أقرب إلى الترف اللغوي، نظرا لمعطيات عدة يتعامل معها البعض، إما عن جهل أو تجاهل، وأولها أن هناك قراءات عدة لمفهوم الحل السياسي، أبرزها قراءتان الأولى يتبناها الجيش وداعموه والثانية يدعو إليها الإخوان ومن يدور في فلك مشروع الإسلام السياسي من دول وجماعات، وهما قراءتان متوازيتان لا تلتقيان.

فالحل السياسي بالنسبة للجيش لا يتحقق إلا بطرد الغزاة الأتراك والمرتزقة الأجانب وحل الميليشيات والقضاء على الجماعات الإرهابية وبسط نفوذ مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية على كامل أرجاء البلاد بما في ذلك العاصمة، بما يتيح المجال لتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى الإشراف على إقرار الدستور وتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وطي صفحة الماضي بإعلان المصالحة الوطنية الشاملة.

وينظر الجيش إلى قوى الإسلام السياسي على أنها جماعات متطرفة متورطة في ممارسة الإرهاب ودعمه، ويستظهر بأدلة عن ذلك، تتمثل بالخصوص في تورط الإخوان والجماعة المقاتلة في تشكيل الميليشيات الإرهابية في شرق البلاد وتمويلها وتسليحها وتمكينها من السيطرة على مؤسسات الدولة، والتغطية على جرائمها البشعة كالاغتيالات التي طالت الناشطين الحقوقيين وضباط الجيش والأمن والجمارك ورجال الدين المعتدلين والإعلاميين والنساء، وعندما أطلق الجيش عملية الكرامة في ربيع 2014، تجند الإخوان وحلفاؤهم لتقديم الدعم بالمال والسلاح والتحريض الإعلامي لتلك الجماعات الإرهابية وخاصة في بنغازي وطرابلس، وعندما حرر المنطقة الشرقية فتح الإسلاميون مناطق غرب البلاد لاستقبال فلول القاعدة وداعش والعصابات الإجرامية، وقاموا بتجهيزهم في مناسبات عدة لتنفيذ هجومات على مناطق نفوذ الجيش كالهلال النفطي والجفرة وبراك الشاطئ.

والواقع أن عقيدة الجيش المعبرة عن عقيدة الدولة الليبية غير قابلة لمشروع الإسلام السياسي ولجماعة الإخوان التي كان النظام الملكي قد حظرها في العام 1954، ثم حظرها النظام الجمهوري في العام 1973، وحظرها البرلمان الحالي في مايو 2019، وهو حظر لم يأت من فراغ، وإنما بعد التأكد في كل مناسبة من أن الجماعة متورطة في الإرهاب ومخططات الانقلاب والتمرد على سيادة الدولة والارتباط بقوى خارجية معادية.

بهذا الشكل فإن الحل السياسي كما يراه الجيش هو مناقض تماما للحل السياسي الذي يراه الطرف المقابل المتمثل في جماعات الإسلام السياسي والميليشيات الخارجة عن القانون والتحالف القطري التركي الإخواني، والذي يتمثل بالأساس في إدماج الميليشيات وخاصة منها المؤدلجة دينيا وعرقيا وجهويا في المؤسسة العسكرية، واعتبار فايز السراج قائدا أعلى للقوات المسلحة بما يتيح له فرصة التخلص من القائد العام المشير خليفة حفتر، وعدم التعرض للجماعات الإرهابية الملتحفة بالغطاء السياسي، وتقاسم السلطة وفق النفوذ المفروض بقوة السلاح على مراكز القرار السياسي والاقتصادي بالعاصمة لا وفق ما يفرزه صندوق الاقتراع أو تقره الإرادة الشعبية.

بمعنى أن الحل السياسي لدى تلك الأطراف ومن يقف وراءها إقليميا ودوليا، هو ذاك الذي يضمن للإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان الاستمرار في الهيمنة على مقاليد الدولة، وللميليشيات التغلغل في مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية، تحت شعار المد الثوري والانتصار لثورة فبراير 2011 حتى وإن كانت مرفوضة من الشارع الليبي مثلما حدث في انتخابات يونيو 2014 عندما انهزم الإخوان، فانقلبوا على النتائج بإطلاق منظومة فجر ليبيا الإرهابية لاحتلال العاصمة وطرد المؤسسات المنتخبة نحو شرق البلاد.

وسر دعم بعض الأطراف الإقليمية والدولية للحل السياسي كما يراه الإخوان وحلفاؤهم، هو أن المؤسسة العسكرية تهدف إلى بناء الدولة ذات السيادة والقادرة على حماية مقدراتها والمستندة إلى الدعم الشعبي، بينما لا يعترف الإسلام السياسي بالسيادة الوطنية، وإنما بمشروعهم العابر للحدود الذي لا يرى مانعا من التفريط في المقدرات لخدمة هدفين: البقاء في السلطة وخدمة المشروع العقائدي الذي يتحركون تحت لوائه.

يبدو التناقض حادا بين المشروعين، وتزداد حدته إذا أدركنا البعد الإقليمي والدولي لكل من الطرفين، فالجيش منخرط في منظومة الاعتدال العربي التي آلت على نفسها مقاومة مشروع الإسلام السياسي بمختلف مكوناته وتحصين الدولة الوطنية المدنية والنسيج المجتمعي من محاولات الهتك والتفكيك على أسس دينية أو مذهبية أو طائفية، بينما سلطات حكومة الوفاق وميليشياتها جزء من مشروع يرى أن أهدافه العقائدية فوق الدولة والمجتمع، وهو مرتبط أساسا بمشروع أكبر يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية إلى وهم العودة إلى دولة الخلافة الذي يموله القطريون ويحاول الأتراك تجسيده على أرض الواقع بقوة التدخل العسكري واعتماد المرتزق من كل الجنسيات في ذلك.

8