لماذا لم أنتخب في الاقتراع الرئاسي الجزائري

لم أنتخب.. بكلمة واحدة لأنني لم أرغب في القيام بدور ممثل مضحوك عليه في مسرحية تغتصب فيها الديمقراطية وحقوق المواطن.
السبت 2019/12/14
مسرحية الانتخابات لن تنطلي على الجزائريين

مع الأسف لم أمارس حقي الانتخابي الخميس الماضي في رئاسيات الجزائر، ليس نسيانا أو إهمالا و إنما قاطعتها لأسباب كثيرة أوجزها في النقاط التالية:

لم أنتخب.. لأنني لا يمكن أن أعترف بشرعية اقتراع  دعا إليه جنرال عجوز من ثكنة ورفضه الشعب في أغلبيته. كيف أنخدع بانتخابات صورية لا شرعية سياسية أو أخلاقية لها، الهدف منها فبركة رئيس جمهورية مدني تتخفى من ورائه مجموعة من الجنرالات تريد الاستمرار في حكم البلد والعبث بمقدراته.

لم أنتخب.. لأنني لا أرغب في تزكية مرشح من بين مرشحين خمسة اختارتهم سلطة الأمر الواقع العسكرية بعناية من صفوف الحرس القديم. وحتى وإن أردت المشاركة فهل هو اختيار حر حينما تجد نفسك أمام قائمة تضم أربعة أرانب وفائزا كان محضرا مسبقا. وكان من الداعمين لعهدة بوتفليقة الخامسة التي أجهضتها ثورة 22 فبراير.

لم أنتخب.. وحتى وإن أردت المشاركة فعلى أي أساس أختار؟  فلا أحد من هؤلاء المرشحين يملك برنامجا واتجاها.. هم بلا هوية سياسية أو فكرية.. ولا أحد منهم يملك الجرأة ليفصح عما يعتمل في دواخله ويقول للناخبين إن كان إسلاميا أو يساريا أو ليبراليا.. علاوة على فقدانهم لأدنى درجة من درجات الحداثة والعلمانية.

لم أنتخب.. كي لا أعطي تزكية مجانية لعصابة لم ولن تستطع هضم فكرة التداول على السلطة لأنها تعتبر الجزائر غنيمة لها وحدها، هي التي جعلت منها مزرعة لها منذ استقلال البلد لما جاءت كجيش حدود منقلبة على الحكومة المدنية الشرعية المنبثقة من مؤسسات ثورة التحرير. واستولت على الحكم عن طريق العنف وغدت حكما عسكريا بائسا مستترا تارة وفي العلن تارة أخرى.

لم أنتخب.. حتى لا أخون ثورة الابتسامة الجميلة السلمية وكيلا أساند وليمة انتخابوية بحتة لا تروم الانتقال إلى نظام ديمقراطي بقدر ما ترسخ حكما عسكريا مستبدا يقف حاجزا منيعا أمام تطور البلد. لا أبذّر صوتي وأرميه في صندوق فخ للمغفلين، يراد منه استنساخ النظام الذي نهب خيرات البلد وحرم الجزائريين من الحرية ومتعة العيش طيلة 57 سنة.

لم أنتخب.. كيلا يختلط صوتي بصوت الإسلاموي عبد الفتاح حمداش الذي لا يتوانى في إظهار كرهه لكل ما هو حداثي وعلماني ويطالب جهارا نهارا بتطبيق حد الردة على المفكرين والمناضلين. والذي جاء يساند السلطة العسكرية مطالبا من هم على شاكلته بالذهاب إلى صناديق الاقتراع.. لا أقبل بأن يكون صوتي مساويا لصوت “إرهابيي” الجيش الإسلامي للإنقاذ صاحب المجازر إبان العشرية السوداء الذي جعل النظام من زعيمه شخصية وطنية يتشاور معها في قضايا تهم مصير الجزائريين كمراجعة الدستور إلخ.

لم أشارك في انتخابات يشارك فيها ويساندها المدعو مدني مرزاق الذي أعترف على شاشة التلفزيون بأنه قضى بنفسه على جندي من أبناء الخدمة الوطنية كان ساقطا على الأرض مصابا بجروح إثر اشتباك مع مجموعته.

لم أنتخب.. لأن السجون مكتظة بسجناء الرأي الذين اعتقلوا بسبب رفضهم للنظام الاستبدادي القائم وضد اغتصاب الإرادة الشعبية من خلال تنظيم هذه الانتخابات الرئاسية غير المجدية التي يراد منها إيجاد حل سريع مؤقت لأزمة النظام وشرعيته لا لحل مشاكل الجزائر الحقيقية.

لم أنتخب.. بكلمة واحدة لأنني لم أرغب في القيام بدور ممثل مضحوك عليه في مسرحية تغتصب فيها الديمقراطية وحقوق المواطن. أريد للجزائر نظاما سياسيا عصريا، علمانيا، يتساوى فيه النساء والرجال ولا تخصص مكاتب للنساء في عملية الاقتراع. ولم تفتح هذه الانتخابات أدنى نقاش حول ذلك فحسب بل قد تفتح الباب أيضا أمام صراعات إثنية ودينية وجهوية لا نهاية لها. لذلك لم أنتخب.

8