لماذا لم تتحول "رابعة" إلى حائط مبكى للإخوان

الأحد 2016/08/14

القاهرة- تمر اليوم الأحد الذكرى الثالثة على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، ولا تزال جماعة الإخوان المسلمين تردد مقولات المظلومية ذاتها، بشأن مصرع الآلاف من أتباعها في أثناء عملية الفض التي قامت بها أجهزة الأمن المصرية، وتحاول تبرئة نفسها من الأسلحة التي وجدت في مكان الاعتصامين، لكن النتيجة لم تكن على المستوى السياسي المطلوب.

وحتى الدعوة التي أطلقها السبت بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ضرورة إجراء تحقيقات كاملة حول “مقتل المئات من المدنيين على أيدي قوات الشرطة والجيش المصري” خلال فض الاعتصام لم تجد تجاوبا سياسيا، فقد جاءت فارغة من المضمون الذي يدفع للتعاطف معها، لأنها جاءت متأخرة.

ومع أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، إلا أن إطلاقها في هذا التوقيت لم يجعلها ذات أهمية في نظر دوائر كثيرة، ووضعها في باب المكايدات والمشاحنات، فلم تصطحب معها إجراءات قانونية لازمة، كما أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هو المخوّل فقط بإنشاء لجنة للتحقيق عن “القتل الجماعي”، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

ناهيك عن أن دعوة كي مون بدت كنوع من إبراء الذمة، قبل أن يغادر مقعد الأمين العام للأمم المتحدة قريبا، فهذه القضايا يصعب توفير الزخم اللازم لها ما لم تتوافر لها إرادة ورغبة دوليتان مناسبتان، تدعمان مسألة فتح تحقيق في ما حدث بميدان رابعة.

وفسّر بعض المراقبين دعوة كي مون على أنها تتسق مع تصاعد حدة الانتقادات الإعلامية الغربية للنظام المصري، وفهمت على أن هناك تكاملا بينهما، وثمة قوى دولية تدفع نحو مزيد من الضغوط على القاهرة، الأمر الذي منحها زخما في صفوف الإخوان، وتصور قادتها أنها بداية جديدة لملف رابعة.

حاولت الجماعة بشتى الطرق تحويل ميدان رابعة بشكل خاص إلى حائط مبكى، تتخذه ذريعة لتوجيه اتهاماتها للنظام المصري، ومعاقبته على ما أسمته “جريرة فض الاعتصامين”. وسعت إلى توظيف حملات التعاطف الإنساني معها، من قبل بعض المنظمات الحقوقية، التي درجت على توجيه انتقادات حادة للقاهرة، غير أن ما حصلت عليه من مردود سياسي لا يتناسب مع حجم الجهود التي بذلت في هذا الاتجاه.

ومع أن أنصار الإخوان حاولوا رفع شعار رابعة، وحفره في ذاكرة كثير من المواطنين، المحسوبين عليهم، إلا أنه لوحظ أن هناك انصرافا عنه في الداخل، ولم تفلح جهود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يتعمد التلويح بأربع أصابع في كل مناسبة يأتي فيها على ذكر مصر، أن تساعد حركة الإخوان على انتشار شعارها، ويكون أداة معنوية-رمزية تؤكد أنها لا تزال موجودة على قيد الحياة السياسية، وأن محاولات إقصائها عن المشهد العام لم تحقق غرضها.

حقيقة ما جرى أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013، جاءت في تقرير أعدته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان العام الماضي، والذي حوى بعض الانتقادات للتعامل الأمني مع الموقف، لكنه حمّل جماعة الإخوان مسؤولية التضحية بأرواح الضحايا، مؤكدا امتلاك الجماعة لأسلحة آلية وسط المعتصمين، وهي شهادة مهمة أخرجت المعتصمين من النطاق السلمي إلى المسلح.

مياه كثير جرت في نهر فض اعتصامي رابعة والنهضة، كل طرف يحاول أن يثبت وجهة نظره، الحكومة المصرية لم تتزحزح عن وصف الاعتصام بـ”المسلح” والإخوان وأنصارهم أصروا على أنه “سلمي”، لكن الحصيلة التي أصبحت راسخة لدى الكثيرين، أن القاهرة كسبت غالبية الجولات، وبدت رؤيتها شبه معتمدة رسميا في دوائر كثيرة، في ظل تطورات إقليمية ودولية كثيرة، باتت تعمل لصالحها.

في المقابل، لم توفق غالبية التحركات التي قامت بها جماعة الإخوان، ومؤيدوها من قوى سياسية وجماعات حقوقية، في توصيل رؤيتها لقطاع كبير من الناس، بل حتى أتباعها وأنصارها في مصر، لم تعد لديهم جرأة لرفع شعار رابعة، بعد فرض عقوبات قاسية على رافعيه تصل لحد الاتهام بالترويج لتنظيم إرهابي، أو الحديث علانية عمّا جرى في الاعتصام، وأصبح الحديث يتمّ على استحياء، وسواء كان ذلك قسرا أو اقتناعا، ففي النهاية أخفقت الجماعة في نشر خطابها على نطاق واسع.

والسؤال هنا، لماذا بعد مرور ثلاث سنوات أخفق الإخوان في المتاجرة باعتصام رابعة وجني ثمار سياسية كبيرة من ورائه، ولم يتحول كما أرادت الجماعة إلى وسيلة أو سلاح للابتزاز؟

الإجابة متشعّبة ومتداخلة، لكن السياق العام الذي جرت في خضمه التحركات، وما أفرزته من نتائج سياسية، يجعلنا نلخّصها في أربع نقاط رئيسية.

* الأولى: ازدواجية الخطاب الذي اعتمده الإخوان، ففي الوقت الذي أعلنوا فيه مرارا أن اعتصامي رابعة والنهضة كانا سلميين، لم تتوقف عمليات العنف التي أثبتت أجهزة الأمن المصرية أن الجماعة تقف خلفها، تحريضا ودعما، وفي أحيان كثيرة، تنفيذا، كما أن الشماتة التي كانت تظهر على الجماعة عند وقوع خسائر بشرية ووسط صفوف العناصر الأمنية، والترحيب الذي أبدته مع كل عملية تقوم بها جماعات إرهابية، جعلتها تخسر قدرا من التعاطف الإنساني معها.

* الثانية: التحقيقات التي أجريت والتقارير التي أعدت في مصر وخارجها، أثبتت أن العنف في صميم منهج الإخوان، ولعل التقرير البريطاني الشهير بشأن أفعال الإخوان، والذي أشار إلى وجود علاقة بينها وبين الكثير من التنظيمات التي تتبنى العنف، خير دليل لفهم عدم شيوع خطاب الاضطهاد والمظلومية الذي تتبناه،

ولم يخل من متاجرة من جانب العديد من أنصارها.

* الثالثة: ارتفاع درجة التوظيف السياسي من قبل بعض القوى التي ساندت الإخوان، ودخول ملفهم على خط حسابات سياسية معقدة، ولعل تحليل التوجهات العامة لكل من قطر وتركيا، يكشف عن هذا المعنى بجلاء، حيث يرتبط تصعيد ملف رابعة بما تريده كل من الدوحة وأنقرة من القاهرة، ويخفت عندما تتم التهدئة أو تظهر مؤشرات لها، ويزداد سخونة عندما تشتعل الخلافات.

* الرابعة: دبلوماسية القاهرة النشطة، والتي نجحت في تحييد دول كثيرة، كانت أو كادت تتعاطف مع الإخوان، فتداخل الملفات السياسية ووجود شبكة من المصالح، نحى جانبا فكرة استمرار مساندة الإخوان، كما أن دخول مصر على خط بعض الأزمات الإقليمية التي لها علاقة بالعنف والإرهاب في المنطقة، كبح جماح بعض الجهات التي مالت في وقت سابق ناحية الإخوان.

إذا كانت الجماعة لم توفق في تعميم خطاب المظلومية، لقصور في أدائها، وبراغماتية بعض القوى التي انحازت لمصالحها وتغير تقديرات بعض الأطراف، فإن حديث فض اعتصام رابعة، لم يكشف بعد عن جميع التفاصيل والكواليس السياسية، التي سبقته والتي لحقت به.

كاتب مصري

4