لماذا لم تخلق أوروبا لا غوغل ولا فيسبوك

رغم حضوره على المستوى العالمي كقوة اقتصادية كبيرة منذ عقود طويلة من الزمن، ورغم تصدر بعض دوله لقوائم الدول الكبرى في العالم المؤثرة على جميع الأصعدة، إلا دول الاتحاد الأوروبي ليس لها حضور لافت او مؤثر فيما يتعلق بمجال والانترنت على أهميته البالغة اليوم. ولم تقدم بعد الشركات الاوروبية جرأة كبير من اجل الاستثمار في هذا القطاع على خلاف الولايات المتحدة الاميركية واليابان وبعض دول آسيا حتى الصغيرة منها التي باتت سباقة في هذا القطاع، مستفزة بذلك القوى الأوروبية الكبرى التي لم تولي عالم الانترنت ما يستحقه من انتباه وهي الدول الحاضرة في كل المجالات الصناعية والعلمية الأخرى.
الثلاثاء 2015/10/06
دول الاتحاد الأوروبي الـ 28 تفتقر إلى ثقافة المخاطرة والشبكات المالية اللازمة لإقامة شركات الإنترنت القادرة على منافسة الشركات المهيمنة عالميا

باريس - نشأ ميشا بينوليل في فرنسا وبدأ أول مشروع تكنولوجي له هناك، لكنه لم ينس أبدا جو المغامرة والتفاؤل في سان فرانسيسكو، حيث درس في أوائل التسعينات. لذلك عندما راودته فكرة اعتماد تطبيق للهواتف الذكية يتيح الفرصة لتحويل الرسائل دون إجراء اتصالات رقمية أو خلوية، عاد إلى كاليفورنيا في عام 2011 لتحقيق حلمه.

وعن سبب ذلك، يقول بينوليل، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن غاردن، المنتجة لتطبيق الرسائل فايرشا “كنت أعرف أن السبيل الوحيد لتغيير العالم يبدأ من هنا” خارج حدود القارة العجوز التي اكتفت، كأغلب دول العالم النامي و”المتأخّر”، بمواكبة أحدث التغييرات في مجال الصناعات التكنولوجية، دون أن تنتج أي من عمالقة شركات الإنترنت مثل غوغل أو إي باي أو فيسبوك. لذلك، يفضل المنتجون والمبتكرون الأوروبيون الهجرة إلى وادي السيليكون، أو بيع أفكارهم إلى شركات أميركية بحثا عن فرصة لإثبات وجودهم.

وقال بينوليل “في الولايات المتحدة، وخاصة في وادي السيليكون، هم قادرون على بلوغ أي فكرة مجنونة، الشركات الناجحة غالبا ما تأتي من أفكار مجنونة”.

ويحاول كبار المسؤولين التنفيذيين في الاتحاد الأوروبي في بروكسل تصحيح ذلك عبر اعتماد خطة طويلة المدى من الإصلاحات والحوافز، لكنهم يواجهون معركة شاقة. فالاتحاد يتكون من 28 دولة تفتقر إلى ثقافة المخاطرة والشبكات المالية اللازمة لإقامة شركات الإنترنت القادرة على منافسة الشركات المهيمنة عالميا.

ميشا بينوليل: كنت أعرف أن السبيل الوحيد لتغيير العالم يبدأ من وادي السيليكون

موقف أوروبا الحذر نسبيا من الاستثمار في هذا المجال يبرزها كواحدة من أكبر العقبات، والأصعب من أجل تحقيق التغيير؛ حيث أن المستثمرين في أوروبا يريدون أن يروا أن شركة صغيرة تحقق إيرادات كبرى منذ البداية.

وتركز العديد من شركات التكنولوجيا العالية في أوروبا على السلع المصنعة التي يمكن بيعها على الفور من أجل الترفيع في الإيرادات، المعدات الصناعية والقطارات عالية السرعة، والأجهزة الطبية، والطاقة النووية.

على النقيض من ذلك، شركات الإنترنت في كثير من الأحيان لا تحقق أي دخل في البداية. على سبيل المثال، ركز كل من تويتر وفيسبوك في البداية على تكوين قاعدة من المستخدمين. وبمجرد تكوين هذه القاعدة التي أصبحت بمثابة قوة عالمية بدأت عدة الشركات في التركيز على تحصيل المكاسب المالية، من خلال الإعلانات وغيرها من الاستراتيجيات.

هذا الاختلاف في العقلية هو من الأسباب الرئيسية التي تجعل أووربا تمتلك عددا قليلا من الشركات ذات رأس المال الاستثماري وأقل استثمارات في الشركات الناشئة مقارنة مع الولايات المتحدة وآسيا.

على مدى السنوات الخمس الماضية، أنفق أصحاب رؤوس الأموال في الولايات المتحدة 167 مليار دولار على أفكار تجارية جديدة مقارنة بنحو 20 مليار دولار من جانب نظرائهم الأوروبيين، وفقا للرابطة الوطنية لرأس المال المغامر.

وخلال العام الماضي تم تقدير الاستثمار الأميركي في الشركات الناشئة بـ50 مليار دولار، وتركز نصف هذا المبلغ تقريبا في منطقة وادي السيليكون. في حين استقر الاستثمار الأوروبي المعادل على نحو باهت في حدود 40 مليار دولار.

كنز علي بابا الآسيوي

آسيا، التي شهدت صعود متاجر التجزئة الإلكترونية المعروفة باسم “علي بابا” في السنوات الأخيرة، تفوقت أيضا في أوروبا، برأس مال استثماري بلغ مجموعه 22.5 مليار دولار في عام 2014، وفقا لشركة بريكن لتحليل البيانات. تم تحديد هذا الرقم حتى يتم تجاوزه هذا العام، مع تحقيق استثمارات بلغت بالفعل 23 مليار دولار في نهاية اغسطس الماضي.

وادي السيليكون.. عقل العالم التقني ومنبع التكنولوجيات الحديثة والغريبة

الاستثمار المبكر أمر بالغ الأهمية للشركات الناشئة لتكون قادرة على تسويق منتجاتها بشكل سريع. مع وجود التكنولوجيا، يعمل العديد من المنافسين في الغالب على نفس الفكرة في حين يتسابقون في إصدار منتجاتهم وجعلها الأبرز.

وقال أناند سانوال، الرئيس التنفيذي لشركة سي.بي إنسايت، وهي شركة أبحاث في نيويورك تتعقب الشركات الناشئة على الإنترنت “هذه هي الغاية من سرعة الحركة، يستحوذ المنتصر على كل الأعمال، وإذا كنت بطيئا في إدراك ذلك سوف تنتهي منذ البداية”. جزء من النضال في أوروبا من أجل التنافس في مجال تكنولوجيا لا يعود إليها، بل هو انعكاس للقدرة واد السيليكون على خلق مجتمع من المتخصصين في التكنولوجيا وأصحاب رؤوس الأموال الذين يمكن أن يلبوا النداء بسهولة، إلى جانب تبادل الأفكار وإقامة علاقات تعاون.

وقال أنسي وانجوكي، وهو أستاذ في جامعة لابينرانتا للتكنولوجيا في فنلندا، والذي كان رئيسا لشركة الهواتف النقالة العالمية نوكيا: “في الواقع ذلك بمثابة احتكار لقلة لرأس المال الاستثماري، حيث أن عددا قليلا من الناس لديهم طنا من النقود يتفقون فيما بينهم على الاستثمار في شيء ما، لا يمكن تنفيذه في أماكن حيث لا يتجمع فيها المستثمرون بنفس الطريقة”.

يستغرق الأمر وقتا لتعزيز بعض المجتمعات؛ فحتى داخل الولايات المتحدة، فشلت بعض المدن والمناطق في تكرار النجاح الذي تم تحقيقه في ضفة وادي سيليكون، ربما باستثناء سياتل، واشنطن، حيث مقرات شركات أمازون ومايكروسوفت.

عائق التأمين الاجتماعي

تم إعاقة ثقافة الشركات الناشئة في أوروبا نتيجة للحقيقة التي تفيد بأن كثيرا من دول الاتحاد الأوروبي عادة ما تحتاج للكثير من الأوراق والوقت والمال لإقامة أعمال تجارية، أكثر من تلك التي تستوجبها نظيراتها في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، شبكات التأمين الاجتماعي القوية في أوروبا تجعل من الصعب طرد العمال، وهو ما يجعل توسيع الشركة لاستقطاب المزيد من العمال أمرا أكثر خطورة.

تعاني الأسواق الأوروبية من التشرذم. توسيع العمليات في جميع أنحاء القارة يبدو أمرا أكثر صعوبة، نظرا لكون قوانين العمل واللغات تختلف من بلد إلى آخر. على النقيض من ذلك، عملية الانطلاق في الولايات المتحدة تمنح للشركة سوقا واحدة ناطقة بالإنكليزية تتكون من 320 مليون شخص حيث يمكنها النمو.

جزء من النضال في أوروبا من أجل التنافس في مجال التكنولوجيا لا يعود إليها، بل هو انعكاس لقدرة وادي السيليكون

حققت بعض الشركات الأوروبية دفعة إضافية وأبعادا عالمية، على الرغم من أن أيا منها لم تصل إلى مستويات غوغل وفيسبوك.

وتشمل قصص النجاح الأوروبية خدمة سكايب للاتصال عبر الإنترنت، التي بدأت كمشروع سويدي-إستوني، والخدمة السويدة لتدفق الموسيقى عبر الإنترنت سبوتيفي، والتي تضم أكثر من 60 مليون مستخدم في جميع أنحاء العالم. بعد عامين من انطلاقها تم بيع خدمة سكايب لشركة أيباي مقابل 2.6 مليار دولار لتحصل عليها مايكروسوفت بعد ذلك في عام 2011 مقابل 8.5 مليار دولار.

وفي الوقت نفسه، استحوذ الفلنديون على سوق ألعاب الهواتف المحمولة. بعد فناء الهواتف المحمولة نوكيا، ازدهرت ثقافة ناشئة في فنلندا، ساعدت في خلق صناعة مزدهرة لألعاب الهواتف المحمولة مع شركات مثل روفيو وسوبرسل، التي أنشأت لعبة الطيور الغاضبة (أنغري بيردس) وصراع العشائر (كلاش أوف كلانس) التي تحظى بشعبية كبيرة.

يقول نيكلاس زينشتروم، السويدي المشارك في تأسيس شركة سكايب والرئيس التنفيذي الحالي لشركة أتاوميكو، وهي شركة استثمار في التكنولوجيا ومقرها في لندن، إن الأمور بدأت تتحسن. وأفاد مؤخرا، خلال مؤتمر رأس المال الاستثماري الأوروبي في جنيف “منذ أن أطلقت سكايب في عام 2002، والسوق تتغير بشكل كبير نحو الأفضل”.

تمتلك اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي في بروكسل خطة طويلة الأمد لتسريع الأمور ومساعدة الشركات الأوروبية الناشئة لتصبح شركات إنترنت كبرى في المستقبل.

وتهدف إلى جعل السوق الأوروبية أكثر توحدا عن طريق الحد من الروتين والاختلافات في القوانين التجارية. من جهة أخرى، سوف يتم اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه شركات الإنترنت المهيمنة، وخاصة غوغل، من أجل تعزيز المنافسة.

ويقول الخبراء إن اتباع هذه السياسة رغم كونها يمكن أن تكون من العوامل المساعدة، إلا أنها غير كافية.

ويصرح دنكان لامب، الذي كان مصمم البرامج في نوكيا وهو الآن مدير التصميم الجديد في موقع ترانسفير وايز TransferWise.com، وهو شركة للخدمات المالية على الإنترنت، ومقرها في لندن وتالين، بإستونيا “إن التشريع دائما ما يقيم إطارا للنمو، سواء كان ذلك من خلال فرض الضرائب أو الحوافز، ولكن القيمة الحقيقية تأتي من الاتصالات بين الناس والتركيز والرغبة الحقيقية في حل المشاكل الإنسانية الحقيقية، إنه عمل متعلق مئة بالمئة بالإنسان”.

12