لماذا لم تستطع حرب التريليون دولار الأميركية على الإرهاب هَزْم بوكو حرام

المفاوضات مع الجهاديين بدل قتالهم فكرة باتت تلقى رواجا في أفريقيا ومن شأنها أن تساعد على وضع حد للأذى الذي قد يلحق بجماعات عرقية ودينية أخرى.
الثلاثاء 2021/05/04
عمليات الخطف تعري فشل الخيار العسكري

فتح اتفاق السلام الذي أبرمته الولايات المتحدة مع حركة طالبان الإسلامية المتمردة في أفغانستان السجال بشأن الإستراتيجية المثلى في التعامل مع النزاعات التي تخوضها الجماعات الأصولية، إذ بدأت قناعات الحكومات الأفريقية والدول الغربية المنخرطة معها في مكافحة الإرهاب تتغيّر وتتجه من حتمية المواجهة العسكرية إلى مساعي احتواء هذه الجماعات والحوار معها.

واشنطن- في أبريل 2014 كان قطب الهيب هوب راسل سيمونز على متن يخت يبحر في منطقة البحر الكاريبي عندما غرد عن 276 فتاة اختطفتهم جماعة بوكو حرام الإرهابية من مدرسة ثانوية في شيبوك، شمال شرق نيجيريا. أشعل الهاشتاغ الذي نسخه عود ثقاب وحذا السياسيون والمشاهير حذوه وشاركوا في حملة BringBackOurGirls.

ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يقود فيها وسم واحد تدخلاً عسكريًا متعدد الأطراف. ومع ذلك فشلت القدرات الاستخباراتية المشتركة لسبع دول قوية -الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا واليابان وإسرائيل- في إنقاذ ولو تلميذة واحدة من تلميذات المدارس المختطفات ولم تستطع هزْم المجموعة الإرهابية التي تتحصن بالغابات.
وأدى فشل هذا التدخل العالمي إلى عدد من الحسابات الخاطئة القاتلة، كما يجادل مراسلو وول ستريت جورنال جو باركنسون ودرو هينشو في كتابهم الجديد “أعيدوا بناتنا”.

وعلاوة على ذلك أبقت الشهرة التي حققتها حملة وسائل التواصل الاجتماعي الفتيات في الأسر لفترة أطول، كما أدى انعدام الثقة بين الحكومتين الأميركية والنيجيرية إلى تأخير اتخاذ إجراءات بشأن مشاركة المعلومات الحيوية.

وعلى سبيل المثال وجد المؤلفان أن غارة جوية عسكرية نيجيرية بمساعدة طائرات أميركية دون طيار قصفت عن طريق الخطأ بعض الفتيات المخطوفات، مما أسفر عن مقتل 10 على الأقل، ولم يتم إبلاغ كبار المسؤولين في واشنطن بذلك على الرغم من انتشار فيديو بوكو حرام الذي وثّقت فيه جثث القتلى.

فكرة الحوار مع الجهاديين التي ترفضها أغلب الحكومات الأفريقية بدأت تبتعد تدريجيّا عن كونها من المحرمات

واستمع ضباط المخابرات الأميركية إلى المكالمات التي تم اعتراضها بلغات لا يمكنهم ترجمتها ولكن لم يشاركوها، ولم يثقوا تمامًا في المعلومات التي عثروا عليها لدى حكومة جودلاك جوناثان النيجيرية.

وبدلاً من ذلك وضعت وكالة الأمن القومي إعلانًا غير معتاد للغاية تبحث فيه عن الأميركيين الذين يتحدثون الكانوري، وهي لهجة يتم التحدث بها في نيجيريا وفي جميع أنحاء المنطقة.

التحشيد العسكري

بحلول عام 2017 وجدت واشنطن نفسها مرغمة على خوض حرب ضد الإرهاب لم تكسبها في المنطقة. وتصاعدت حركات التمرد بقيادة بوكو حرام ، مما أدى إلى ظهور مشاهد مروعة للكنائس والمساجد التي تم قصفها واستخدام الأطفال كمفجرين انتحاريين ضد مجتمعاتهم المحلية.

إذن ما الخطأ الذي ارتكبته الحكومات الأجنبية في محاولتها القضاء على بوكو حرام وإعادة الفتيات المخطوفات إلى الوطن؟ يبدأ حساب باركنسون وهينشو في البيت الأبيض بتلك التغريدة سيئة السمعة للسيدة الأولى آنذاك ميشيل أوباما #BringBackOurGirls وما تلا ذلك من تفسيرات جوفاء للتطرف والضحية في أفريقيا.

ويقول المؤلفان إن الكثير ممن شاركوا في موجة #BringBackOurGirls على وسائل التواصل الاجتماعي عرفوا أن 800 جندي أميركي تم نشرهم في النيجر و300 جندي آخر في الكاميرون لتدريب رجال الأمن المحليين وتوفير المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية في المنطقة. لكن العديد منهم لم يكونوا على علم بأن الحكومة النيجيرية تركت معضلة بوكو حرام بالفعل لتتفاقم بلا هوادة منذ عام 2009.

وأدت معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب والفقر وعنف الشرطة إلى الزج بالكثير من المواطنين في سجون نيجيريا القاتمة، وأولئك الذين نجوا من الموت تمت معاملتهم على أساس أنهم مجرمون قساة عبر دائرة من التعذيب وسوء المعاملة من قبل مسؤولي القضاء والشرطة والسجون.

وبحلول الوقت الذي بدأت فيه إدارة باراك أوباما في إرسال القوات إلى البلدان المحيطة بنيجيريا في عام 2014 لجمع المعلومات الاستخباراتية كانت بوكو حرام تسيطر بالفعل على شبكات بنية تحتية مهمة.

وأوضح باركنسون وهينشو بصرامة شديدة كيف أدت جهود واشنطن الفاشلة، إلى جانب انتشار عمليات الاختطاف، إلى تشجيع بوكو حرام على مواصلة أنشطتها الإرهابية.

وبينما كان النيجيريون يحتجون في الشوارع لكي تفعل الحكومة شيئًا بشأن الفتيات المفقودات نشر زعيم بوكو حرام، أبوبكر شيكاو، مقاطع فيديو على الإنترنت يهدد فيها بتزويج الفتيات.

وكتب المؤلفان “كان هذا بنزينًا لإشعال حريق على تويتر”، وباعت وسائل التواصل الاجتماعي المجاز الشائع ولكن الضار للفتيات الأفريقيات المحتاجات اللاتي ينادين بمنقذ في شكل شخصية مشهورة يسميها المؤلفان “أثر الضحية الذي يمكن التعرف عليه”. لكنهما رددا أيضًا تحذير الكاتبة النيجيرية شيماناندا نغوزي أديتشي بشأن “قصة واحدة لأفريقيا”، حيث تصبح الروايات الإعلامية المتكررة لقصة واحدة غير مكتملة عن المنطقة هي القصة الوحيدة.

وبينما كان العالم يغرد على تويتر عن فتيات شيبوك استولت بوكو حرام على ست قرى أخرى دون أي تغطية خارج الصحافة النيجيرية.

فشل التدخل العالمي أدى إلى عدد من الحسابات الخاطئة القاتلة

ويقول المؤلفان إن وسائل الإعلام المبسطة زودت بوكو حرام بالمواد اللازمة لبناء علامتها التجارية الإرهابية. تم بث مقاطع فيديو مجموعة الفتيات والتحدث عنها في محطات التلفزيون على مستوى العالم. أصبحت بوكو حرام اسمًا مألوفًا وكان من المجزي أكثر للمجموعة إبقاء الفتيات في الأسر.

وقبل أشهر من اختطاف شيبوك دفعت الحكومة الفرنسية ما يزيد قليلاً عن 3 ملايين يورو (حوالي 3.6 مليون دولار) لتحرير أسرة مكونة من سبع سائحات اختطفتهن بوكو حرام. وبسبب شهرة فتيات شيبوك أراد المسلحون المزيد.

“ألم تكن قيمة هؤلاء النسوة تساوي قيمة الأميركيات أو الأوروبيات؟ كانت هذه هي القيمة التي أعطتها لهن الإنترنت”، حسب رأي الإرهابيين، فيما كان الخط الرسمي للحكومة النيجيرية هو أنه لم يتم دفع أي فدية على الإطلاق لكن الضغط العام الذي أحدثه الهاشتاغ دفعها أخيرا إلى التحرك.

ويرى مراقبون في الطائفية الدينية تفسيرا لقصة فتيات شيبوك وجميع العلل في المنطقة، لكن شمال نيجيريا يعمل رسميًا بموجب الشريعة الإسلامية ويوجد رئيس مسلم في السلطة، لذا لا يمكن أن يكون الانقسام الديني هو المحرك الوحيد للصراع النيجيري.

وأكثر الروايات لفتًا للانتباه تأتي من فتيات شيبوك أنفسهن، ربما لأن هذا هو أحد الأعمال القليلة المنشورة التي نفهم فيها محنتهن تمامًا، حيث تحدث المؤلفان إلى 20 من الفتيات المحررات وأوردا مقتطفات من مذكرات كُتبت أثناء الأسر وظلّت مخفية لمدة ثلاث سنوات من قبل إحدى الفتيات وهي نعومي أدامو التي أعادت صياغة قصة شيبوك وحولتها إلى قصة تحد شجاع.

وكان نشاط وسائل التواصل الاجتماعي حسن النية ولكنه أدى إلى بعض النتائج غير المقصودة: تدخل عسكري تحت مظلة ما يسمى بالحرب على الإرهاب وأعمال خطف مقابل فدية من قبل عصابات إجرامية مسلحة معها تكررت أسوأ عمليات اختطاف بوكو حرام حيث تم اختطاف أكثر من 800 تلميذ في شمال غرب نيجيريا منذ ديسمبر 2020 كرهائن ذوي قيمة عالية.

ويقدم الكتاب حجة مقنعة مفادها أن الحوار أكثر فاعلية من الحشد العسكري في النزاعات التي تشارك فيها الجماعات الأصولية، خاصة وأن التطرف استمر في الانتشار في منطقة الساحل على الرغم من مبيعات الأسلحة الأميركية والمشاركة العسكرية في المنطقة.

نجاحات أمنية محدودة

والتدخلات العسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية بشكل أساسي لم يعالجا المشاكل المعقدة التي أدت إلى نشوء التطرف. وكتب المؤلفان “قدمت الطائرات دون طيار وسيلة رخيصة لاستمرار الحرب ولكن ليس لإنهائها”. وأضافا “لا يمكن لواشنطن ولا الإمبراطوريات الأوروبية في وقت ما أن تتوصّلا إلى النتيجة المرجوة”.

وبدلاً من ذلك يجادلان بأن تحرير الفتيات يتطلب من النيجيريين العمل بصبر بعد فترة طويلة من استمرار الاهتمام العام.
وبعد أكثر من عقد من الزمان تسببت حرب بوكو حرام في قتل أكثر من 40 ألف شخص وتشريد أكثر من مليوني شخص في شمال شرق نيجيريا. والتحدي الذي يواجهنا جميعًا هو فهم القصة وراء التغريدات الجوفاء.

الحوار بديل ممكن

بدأ المراقبون في مالي، التي دمرها العنف وباتت عرضة لهجمات جهادية متكررة ومميتة، يطرحون ما لم يكن متصوراً في يوم من الأيام: فهل آن الأوان للتفاوض مع المتطرفين؟

وحول ذلك قال أمبرواز داكو من تحالف إعادة بناء هياكل الحكم في أفريقيا (ARGA)، وهو مركز أبحاث، إن “كل تحليل للأزمة المالية يظهر أن الحل العسكري البحت ليس ممكناً… لا يمكننا أن نكون متصلبين في رأينا. لا بد أن نكون منفتحين على الحوار مع هذه المجموعات لمعرفة ما إذا كان التوفيق ممكناً. علينا أن نعرف ماذا يريدون وما الذي يمكننا التنازل عنه”.

وقد أخفقت بعثات الجنود الأجانب الذين تم إرسالهم لمساندة القوات الحكومية المالية في القضاء على الجماعات المتطرفة التي سيطرت على الصحراء الشمالية عام 2012. ولا تزال مساحات واسعة من الأراضي غير خاضعة لحكم القانون على الرغم من اتفاق السلام المبرم عام 2015 الذي يهدف إلى إنهاء الصراع طويل الأمد الذي وضع الطوارق الرّحل في الشمال في مواجهة الحكومة المتمركزة في الجنوب.

وفي عام 2013 تم طرد الجهاديين الذين لم يكونوا طرفاً في ذلك الاتفاق من البلدات الشمالية التي كانوا قد استولوا عليها. ولكن هجمات هؤلاء لا تزال توقع ضحايا وتمتد إلى وسط البلاد وتؤثر على أجزاء متزايدة من الجنوب.

وفيما تتواصل هجمات الجهاديين ضد قوات الأمن يأمل المسؤولون الماليون أن تتمكن القوة التابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، التي تضم قوات من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وموريتانيا، من إحراز تقدم في نهاية المطاف ضد المتشددين الإسلاميين.

لكن مراقبين، بمن في ذلك العديد من الشخصيات السياسية البارزة، يدفعون الآن نحو إستراتيجية مختلفة تماماً تتمثل في التفاوض مع الجماعات الجهادية. وأحد هؤلاء تيابيله دراميه، وهو وزير خارجية سابق ساعد في التفاوض حول ما يسمى باتفاق واغادوغو، الذي مكن سكان المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة من التصويت في الانتخابات الرئاسية في مالي عام 2013 ويشاركه في ذلك أيضا رئيس الاتحاد الأفريقي موسى فكي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

التطرف استمر في الانتشار في منطقة الساحل على الرغم من مبيعات الأسلحة الأميركية والمشاركة العسكرية في المنطقة

وقد بدأت فكرة التحدث إلى الجماعات المتطرفة التي ترفضها الحكومة المالية تبتعد تدريجياً عن كونها من المحرمات، بعد أن كشفت تقارير إعلامية أن رئيس مالي السابق الذي أطيح به في انقلاب عسكري عام 2020 إبراهيم أبوبكر كيتا قد دخل في مفاوضات سرية مع الجهاديين من أجل احتوائهم.

ومقترح الحوار ليس جديداً تماماً حيث تمت مناقشته خلال مؤتمر التفاهم الوطني عام 2017 في باماكو. وفي نهاية المناقشات دعا المشاركون –وهم نحو 300 ممثل عن الحكومة والمعارضة والجماعات المسلحة والمجتمع المدني- إلى عقد لقاءات مفتوحة لمعرفة مطالب الجهاديين. وبعد مرور عام على المؤتمر يبدو أن الفكرة بدأت تلقى رواجاً على الرغم من طرح بعض الأسئلة الصعبة.

ويقول داكو إن أحد أهداف الحوار مع المتطرفين هو عزل المقاتلين الأجانب داخل صفوفهم. ويضيف “ستكون لدينا عند ذلك فكرة واضحة عن مواقف الحركات الجهادية… وسنعرف أيضاً المجموعات الأخرى من خارج مالي، وهو ما سيمكننا من فهم الطبيعة الحقيقية لخصومنا”. ومن شأن هذه الإستراتيجية أيضاً أن تساعد على وضع حد للأذى الذي قد يلحق بجماعات عرقية ودينية أخرى.

12