لماذا لم تفشل الثورة في مصر

السبت 2017/01/28

التعذيب مازال يجري في السجون والسلطة مازالت تعتمد على الأمن، ومؤسسات الحكم تتم هندستها خلف الستار، ووسائل الإعلام تؤمم. هل يعني هذا أن ثورة 25 يناير 2011 قد فشلت؟

دعك من السياسة والحكم. أي حاكم سياسي يأتي بعد اضطرابات ثورية لا يحكم بالديمقراطية، وإذا قرر تطبيقها يفشل عادة. إذا كان هذا الحاكم من النظام القديم أو من بين الثوار أو من بين المستقلين، لا أحد يفكر في الديمقراطية والمقعد يموج من تحته. حدث ذلك في الثورة الفرنسية والروسية والإيرانية وغيرها الكثير.

طقطقة النار تحت الرماد لا يمكن أن تكون مسموعة وسط ضجيج الأصوات العالية. الأمر يحتاج إلى القليل من الصمت وإلى تغيير زاوية النظر ولو مؤقتا بعيدا عن الحكم، الذي هو صورة التغيير الأوضح، لكنه ليس التغيير الحقيقي.

لنهبط قليلا إلى أسفـل؛ إلى الشـارع، حيث الثورة لا تزال مشتعلة أكثـر من أي وقت مضى. صحيح أن ليس ثمة مظاهرات أو احتجاجات أو اشتبـاكات مع قـوات الأمـن. المصريون انصرفوا للاشتباك مع ماضيهم وتقاليدهم وطريقة حياتهم المدفونة تحت الكثير من رماد التابوهات غير المفهومة.

المصري ينظر إلى عملة الثورة فيرى وجها سياسيا وإعلاميا مضطربا ومليئا بالتناقضات. لنقلب العملة على وجهها الآخر ونمنح أنفسنا فرصة للتمعن فيه.

كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدستورية والفكرية والدينية تحدث فيها ثورة. كل هذه الأبعاد لن تكون هي نفسها بعد عشرة أعوام من الآن.

من كان يصدق أن الجنيه المصري سيتم تعويمه، وأن موجة هائلة من التضخم ستضرب المجتمع ويظل ساكنا. ثمة تفهم مجتمعي غريب لضرورة الإصلاح الاقتصادي لم أره في أي مكان من قبل.

كنت في مصر عندما حدث ذلك. أخذتني المفاجأة عندما قال لي سائق التاكسي إنه قرر التحمل والجلوس في البيت لأنه يريد “الحفاظ على البلد”. بائع أقسم لي أنه لا يحب نظام الحكم، لكنه يريد أن يصبر “خوفا على مصير البلد”.

لا أجد في هذا تأييدا سياسيا للحكم. أرى فيه وعيا من قبل مصريين يعرفون أن بلدهم أقوى وأبقى من أي نظام حكم.

الثورة المصرية في مرحلة تعثر سياسي لأن مجموعة من الناس قرروا أن يعيدوا المسار القديم مرة أخرى اعتقادا منهم أن ذلك في مصلحة البلد. هذا الواقع المتثاقل والبطيء سينتهي لا محالة. المهم ماذا يحدث بين طبقات المجتمع المكدسة فوق بعضها.

المجتمع يجهز نفسه لقبول التغيير السياسي عندما يحين وقته. الناس اليوم عاكفة على إعادة النظر في كل ما كانت تعتقد أنه صواب.

من كان يحلم بأن يكون في مصر دستور مثل هذا الذي يتفنن نظام الحكم في تجميده الآن. في النهاية الأنظمة ستتغير، ويذوق المصريون حلاوة دستورهم وطعم حرياته.

قبل الثورة كانت المرأة المصرية تُضرب من قبل زوجها، وتتعرض للتحرش في الشوارع والاغتصاب أحيانا من دون أن يكون لها أي حق في الكلام عن مثل هذه المواضيع التي كان ينظر إليها بحساسية شديدة. بعد الثورة تراجع منسوب هذه الحساسية إلى درجة لم يعرفها المصريون المتحفظون بطبيعتهم من قبل. اليوم تستطيع أي فتاة الظهور على شاشة أكبر الفضائيات من أجل الحديث عن والدها الذي ارتكب معها جريمة زنى المحارم، أو تلك العصابة التي اختطفتها في جنح الظلام وقام أعضاؤها بالتناوب عليها واحدا تلو الآخر، أو ابنها الذي حملت به سفاحا.

التدين المنحوت منذ الأزل في الشخصية المصرية لم يمنع المصريين من التحرش بالكثير من إرثهم الديني الذي انسلت إليه شوائب التشدد. كل عام كانت طبقة التطرف والتكفير تزداد سمكا في وجدان متسامح بفطرته. صعود الإخوان المسلمين كان مقدمة لنجاح ثورة المجتمع من دون أن يدروا.

بعد كل ما شاهده المصريون من تطرف الإخوان والسلفيين، لا يشبههم في شيء، بدأ الحديث عن تجديد الخطاب الديني. لم يكن يحلم أي من قراء فرج فودة أو نصر حامد أبوزيد بأن دعوتهما ستصبح جوهر شرعية السلطة في يوم من الأيام. إسلام بحيري، الباحث والمجدد الشجاع، يحظى بهذه الشعبية لا لشيء سوى لأن دعوته ظهرت في الوقت المناسب؛ وقت مراجعة المصريين لأنفسهم.

الملحدون والمثليون وشاربو الكحول لم يعودوا مضطرين إلى الاختباء خلف جدران عالية من أجل التمتع بحرياتهم. الفتيات صرن يخلعن الحجاب من دون تأنيب مجتمعي، وسلطة الآباء والأمهات لم تعد إلهية كما كان في السابق.

الصراع بين الأجيال محتدم اليوم في مصر. ثورة يناير كانت الحد الفاصل الذي وسع الفجوة بين جيل تربى على أن الحجاب جزء من الأخلاق، وأن صحيح البخاري هو أقدس كتاب بعد القرآن الكريم، وأن العالم كله يتآمر على مصر، وجيل آخر يعتبر أن كل هذه تابوهات لا قيمة لها.

الفكرة ليست في أنك تدعم ذلك أو تعارضه. هذا صار واقعا لا سبيل إلا مواجهته.

ثمة ثورة مضادة حقيقية تقف في وجه هذا التغيير. الأزهر مثلا يريد أن يسجن الصحافي أحمد الخطيب لأنه تجرأ وكشف وقائع فساد إداري داخله، ولأنه ضرب في عمق توغل الإسلام السياسي في المؤسسة العريقة. لم يكـن الخطيب ولا غيره ليكتب مثل هذا الكلام قبل الثورة، لأن المجتمع حينها لم يكـن ليرحمه. اليـوم يحظى الخطيب والبحيري وأحمد ناجي وفاطمة ناعوت وإبراهيم عيسى بتعاطف غريب من مجتمع أكل على ظهره السلفيون وشربوا.

خـلال الخمسة عشر عـاما المقبلـة سيعـاود الناس النزول إلى الشوارع والميادين مرة أخرى في صورة نبضات ثورية متباعدة تترجم تفاعلا ثوريا لم يهدأ يوما، حتى وإن لم يكن مرئيا بوضوح اليوم. المجتمع يجهز نفسه للمرحلة المقبلة، وهي الديمقراطية.

في تونس مثلا الغرب أقنع الناس بأنه لا حاجة للوقت، وأن المجتمع من الممكن أن يصبح ديمقراطيا في يوم وليلة. النتيجة كانت أن سيطر الإسلاميون على المجتمع والاقتصاد، وهيمن النظام القديم على السياسة. هذه القسمة ستظل مع التونسيين لوقت طويل.

الوضع ليس هكذا في مصر، حيث الثورة تصعد من أسفل إلى أعلى وليس العكس. هذا بلد لم يتوقف فيه الجهاز الإداري عن العمل ولو ليوم واحد منذ 5 آلاف عام. المصريون أقدم من التاريخ وأكثر رسوخا من الجغرافيا نفسها. لا حركة شعبية واحدة، مهما بلغ حجمها، قادرة على قلب مصر رأسا على عقب.

الثورة بدأت عمليا منذ عام 2008 وأخذت تنضج إلى أن انفجرت بعد ذلك بثلاث سنوات. نتائج هذه الثورة تطبخ الآن على نار هادئة.

كما علّمت مصر الثورة كيف تتمصر، سيمتص المجتمع نتائجها ويستوعبها، لكن أيضا على الطريقة المصرية.

كاتب مصري مقيم في لندن

8