لماذا لم تندثر الحرف والصناعات التراثية في الإمارات

تنوعت الصناعات والحرف في دولة الإمارات العربية، فشملت كل متطلبات الحياة اليومية وتعددت أشكالها وأحجامها وألوانها وموادها الخام حسب استخداماتها وأغراضها، ولعل تعدد وتنوع هذه الصناعات أديا إلى تنوع خصائصها الفنية التي عكست ذوق ومهارة الحرفيين وتنوع ثقافاتهم وأذواقهم. وأمام مواجهة الحداثة سعت الإمارات للحفاظ على تراثها من خلال إنشاء مراكز التدريب وتنظيم المهرجانات والمناسبات لهذا الموروث المهدد بالاندثار.
السبت 2017/05/06
كل الأجيال تساهم في صيانة الهوية

أبوظبي - تمثل الحرف والصناعات الجانب المنتج من حياة المجتمع حيث تتداخل الحرف في مدلولها العام مع مفهوم الصناعات التقليدية، فإذا كان الرعي والصيد والزراعة والتجارة والتطبيب من الحرف، فإن الحدادة والصناعة والحياكة والنجارة تمثل الصناعات.

ودولة الإمارات العربية المتحدة غنية بتراثها الحضاري الذي ورثته عبر مختلف مراحلها التاريخية والحضارية ويظهر ذلك بوضوح في تعدد الفنون الشعبية والحرف والمصنوعات التقليدية التي تعكس ذوقا فنيا وتراثا غنيا.

وقد اضطرت الظروف أهل الإمارات في الماضي إلى اتقان واحتراف العديد من الصناعات التي لها علاقة مباشرة بالبحر الذي كان مصدر الرزق والغذاء، وكذلك استغل الآباء والأجداد مصادر الصحراء على الرغم من شح الموارد وظروف الطبيعة القاسية في سبيل تأمين سبل الرزق والمعيشة الكريمة.

ونظرا لانسجام الإنسان في الإمارات مع بيئتها المتنوعة والثرية فقد برزت الكثير من الحرف اليدوية التي امتهنها أفراد المجتمع وبعض تلك المهن لزمت أصحابها في مسمى عائلاتهم حتى يومنا هذا.

وتعد الإمارات اليوم في طليعة الدول من حيث الاهتمام بالحرف والصناعات التقليدية الشعبية إذ أمكن إحصاء أكثر من 30 حرفة شعبية يدوية مازالت تمارس داخل المجتمع الإماراتي وتمثل مورد رزق للعديد من الناس الذين يمارسونها حتى لو اقتصرت تلك الممارسة في المناسبات والمهرجانات.

للمرأة دور أساسي في الحفاظ على التراث الإماراتي

ومن أهم الصناعات والحرف التقليدية التي مازالت تمارس في الدولة تجريد أو سحل الخوص وصناعة السيوف والأكل الشعبي والخناجر وعمل الوسم والتلي وقلد الحبال وغزل الصوف وقرض البراقع والنجارة وعمل اليازرة والحدادة والجص ودق وطحن الحبوب والحناء والأشرعة وصناعة القراقير والسفافة وصناعة السفن والطواشة والزراعة والعطور وصناعة المنابر والدخون والخياطة والسدو وصناعة الحلوى وخض اللبن وعمل الدبس والتجارة وغيرها من الصناعات التقليدية العريقة في المجتمع.

ومن المعروف أن المتغيرات التي طرأت على مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة نتيجة للطفرة النفطية تركت الكثيرين من جيل ما قبل النفط عاطلين عن العمل أو غير منتجين لعدم إجادتهم لمهن أخرى غير التي زاولوها قديما، ولعله من المفيد التذكير بأن حرفهم التي كادت تندثر لعبت دورا أساسيا وعاملا مهما للاستقرار قديما.

الحفاظ على الهوية

بعد ثورة النفط واجهت الصناعات والحرف التقليدية عقبات وتحديات وبات البعض منها على شفا الانقراض. وبالفعل بدأت حرف بعينها في التلاشي والاندثار مع بداية السبعينات من القرن الماضي إلا أن الإمارات عرفت مبكرا أن منتجات الحرف اليدوية التي كانت سائدة ردحا من الزمن لا تظهر الآن إلا على استحياء أمام طغيان المنتجات الحديثة المستخدمة في حياة الناس اليومية محيلة كل المنتجات القديمة إلى زوايا الذاكرة الإنسانية ومتاحف التاريخ مكتفية بحظها في الظهور الموسمي في معارض التراث والأصالة أو عند البعض ممن لا يزالون يؤثرونها على المنتجات الحديثة.

من الصناعات التقليدية التي اشتهرت في المدن صناعة الأدوات المنزلية النحاسية وعلى رأسها "الدلال"

ولهذا غرست الإمارات حب الاهتمام بقطاع الصناعات والحرف التقليدية في جيل اليوم من خلال اهتمامه بالتراث بصفة عامة وحرصه على تشريك المرأة في خططه الثرية لإحياء التراث والمحافظة عليه.

وافتتحت مركزا للصناعات التقليدية واليدوية القديمة في عام 1978 بإشراف الاتحاد النسائي العام وتفرعت عنه العديد من مراكز التدريب، والذي خصص لكل جانب من جوانب التراث مشغلا خاصا به كمشغل التلي ومشغل الفخار والتطريز اليدوي ومشغل الغزل وسعف النخيل والسدو.

وجاء الاهتمام بالتراث ليرسخ وجود واستمرارية هذه الصناعات والحرف التي كانت تدر مداخيل مجزية قديما ويحميها من الإهمال والاندثار ويؤمن للمشتغلين بها مصدرا ثابتا للرزق.

جلاليف الخليج

يقول المواطن محمد خميس بوهارون “اشتهر أهل الساحل بالصناعات البحرية المتعلقة بالأسماك التي كانت تصدر إلى الأسواق الخليجية والأفريقية ومنها صناعة ‘المالح’ في الساحل الشرقي وصناعة ‘العومة’ التي شكلت مصدرا غذائيا واقتصاديا أساسيا لشعب الإمارات أثناء كساد تجارة وصناعة اللؤلؤ حيث استخدمت في الأطعمة وكسماد للمزارع”.

ويضيف “تعد صناعة السفن الخشبية من أهم الصناعات التي تميزت بها دولة الإمارات ونالت قسطا كبيرا من الاهتمام والشهرة، ومازالت باقية إلى يومنا هذا، حيث تعد دولة الإمارات من أوائل دول الخليج اهتماما بهذه الصناعة وأكثرها إنتاجا للسفن التقليدية وتصديرها للأسواق المختلفة”.

الإمارات من أوائل دول الخليج اهتماما بصناعة السفن

ويؤكد بوهارون أن أهالي الإمارات حملوا بجدارة لقب أفضل الجلاليف “جمع جلاف وهو صانع السفن” على امتداد سواحل الخليج العربي ولقد تطورت أشكال وأحجام السفن الخشبية في دولة الإمارات حسب تطور المهن البحرية وتنوعها عبر التاريخ .. وأساتذة صناعة السفن في الإمارات سعداء بما يصنعون حيث طبقت شهرتهم الآفاق حتى ان رعايا الدول المجاورة والصديقة نقلوا عنهم بعض أسرار مهنتهم.

ويوضح أن أبناء الساحل امتهنوا كل مهن الصيد البحري والغوص بحثا عن اللؤلؤ في قاع الخليج العربي فساهموا في بناء السفن المخصصة للصيد البحري والغوص بحثا عن اللؤلؤ.

ويقول المزارع علي محمد المنصوري إن أهالي المناطق الزراعية “مناطق النخيل” أجادوا المهن والحرف المتعلقة بالنخيل حيث استخدم سكان المناطق الزراعية معطيات هذه الشجرة السخية لتلبية مختلف احتياجات معيشتهم لأن هذه النخلة كانت الشجرة الوحيدة التي استفاد الإنسان على مدى مئات السنين من كامل أجزائها، بدءا من الجذوع إلى الألياف والكرب المحيطة بالجذوع حتى السعف والجريد إلى جانب الثمار.

ويؤكد أن أهل المنطقة استفادوا منها أيما فائدة، فاستخدموها في مختلف مرافق حياتهم إذ تعددت الاستخدامات لتشمل كافة أجزاء النخلة، فالجذوع استخدمت في صناعة العوارض وهي أعمدة تستخدم لبناء المنازل القديمة التي عاش فيها الأهالي، كما استخدمت كأعمدة للخيام، كما كانت تفلق إلى نصفين وتستخدم كحماية فوق أفلاج المياه أو الوديان الصغيرة، وقد تقطع إلى قطع صغيرة وتستعمل كوقود أو لأسقف المساجد والمنازل.

أما السعف فقد استخدمه سكان مناطق النخيل في أمور كثيرة أهمها الجريد وهو عامل أساسي لبناء العرش أو العرشان والخيام.. وصنعت منه أيضا السفن الصغيرة المسماة بالشاشة والتي كانت تستخدم في صيد الأسماك.

ويضيف المنصوري “صنع أهل المنطقة أيضا من الجريد أسرة للنوم وبعض المقاعد للجلوس ومهودا للأطفال وأقفاصا للطيور ومن السعف أو الخوص صنعوا ‘الخصافة’ وهي أكياس توضع فيها التمور والحصر ‘السجاد’ والمخاريف والسراريد والمكانس والمكاب والمهاف والمزامي والجفران وكل أثاث المنزل وأدواته.

وقد صنع أهل المنطقة من الكرب الحبال التي لا غنى للإنسان عنها كختم للبوش والماشية والأبقار وكذلك السفن، أما الكرب فقد استخدم كعلامات لشباك الصيد وتضاف مع الجريد لصناعة الشاشة، كما كانت وقودا أساسيا عند سكان المناطق الزراعية، واستخدم سكان المنطقة النوى كعلف للحيوانات كغيرهم من المزارعين والبدو وأهل المدن”.

ويذكر من الصناعات التقليدية التي لها علاقة بمشتقات النخيل صناعات التمر والخوص والعرش والخيام والمكانس والمغاطي والمشاب والمخاريف، وبناء المخازن من اللبن والخيام والعرش من الخوص والخيام، وامتهن أهالي المنطقة عمل أسوار لمزارع النخيل، فقد كانت تلك الحرف بمثابة مصدر رزق هام للمجتمع الزراعي الذي كان يشتمل مناطق واسعة.

ويقول علي يوسف الشعرون “من أهم الصناعات والحرف اليدوية الأخرى التي اشتهر بها سكان مناطق الزراعة وترتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة والأرض ‘اليازرة’ وهي عبارة عن طريقة قديمة ومبتكرة لري الأرض الزراعية وقد احترفها سكان المنطقة منذ القدم وتقوم على استخراج الماء من البئر بالاستعانة بعدد من الأدوات من ابتكار وصناعة أبناء المنطقة أنفسهم”.

ويذكر أن مهنة اليذاب أو الغرافة عبارة عن قيام الإنسان بالغرف من البئر بواسطة قوائم خشبية وحبل موصول بخشبة طويلة موصولة بوعاء فارغ أو دلو تصل إلى قعر البئر ثم تسحب يدويا عن طريق شد الحبل وتستعمل الغرافة عادة للبئر القريب ماؤها من سطح الأرض.

مهنة الأجداد يتوارثها الأبناء

ويوضح الشعرون أن اليازرة عبارة عن قوائم خشبية تتدلى منها حبال تهوي إلى بئر الماء بدلو أو دلوين تتجمع فيها مياه البئر وتقوم الثيران بجر الدلو الممتلئة بالماء إلى سطح البئر ومن ثم تفرغ المياه في قنوات مجهزة سلفا لتأخذ طريقها لري الأرض العطشى، وأهم أجزاء أو مكونات اليازرة هي المنيور والدلو والرشا والمرص وصوبي ومساعد وزالول وبرد.

وبدوره يقول علي سعيد الشحي “أهم منتجات التمور التي استخدمها سكان المناطق الزراعية ‘الدبس” الذي كان يقوم مقام السكر هذه الأيام، كما كانت هذه المادة تستخدم في صناعة أنواع كثيرة من الحلويات والمأكولات الشعبية.

ومن الصناعات التي عرفها الإماراتيون في المناطق الزراعية قديما هي ‘البثيث’ وذلك بخلط التمر مع السمن والطحين ليعطي نوعا من الحلوى لذيذ الطعم.

وإذا كان أهل المناطق الزراعية قد اشتهروا بمهنهم الزراعية وإنتاجهم الزراعي الوفير إلا أنهم ساهموا أيضا بشكل فاعل وملحوظ في مختلف المهن البحرية التي كانت تشكل مصدر الرزق الأول لسكان الإمارات.

وباختصار كانت النخلة أحد مقومات الحياة لإنسان دولة الإمارات والإنسان في منطقة الخليج عامة إذ دخلت بأجزائها في مختلف تفاصيل حياته وأضحت معلما من معالمها.

الجبال والفخار

يقول أحمد راشد الحيمر من سكان الجبال “شهدت المناطق الجبلية صناعة مزدهرة للفخار وصل إنتاجها أقاصي الشرق والغرب، وتعد منطقة شمل برأس الخيمة من أكثر المناطق في الإمارات قاطبة اشتهارا بصناعة الفخار وإنتاج أشكاله وأنواعه المختلفة، ولا تزال هذه المهنة تأخذ قسطا من الاهتمام والرعاية لدى أبناء المنطقة الذين يؤكدون ارتباطهم الوثيق بتاريخهم وتراثهم وبصلاتهم التي لا تنقطع مع الماضي التليد الذي سطره الآباء والأجداد”.

ويضيف “اشتهر أهل الجبال ببناء بيوتهم من الحجار ‘العقة أو الصفة’ وحفر الآبار ‘الطوي’ والبرك وزراعة القمح في الوعوب.. كما يقومون بتربية النحل في الجبال للاستفادة منه في البيع والاستعمال.

ومن الصناعات التقليدية التي اشتهرت في المدن صناعة الأدوات المنزلية النحاسية وعلى رأسها “الدلال” التي لاقت شهرة خليجية واسعة”.

وفي ظل هذا الانسجام الإنساني الرائع الذي سطره ابن الإمارات في تفاعلاته مع الظروف الطبيعية والمتغيرات الحياتية المختلفة التي عاصرها فقد انبثقت عن هذه التجربة الغنية حضارة إماراتية متنوعة يقع على عاتق الجيل الجديد مواصلة المسيرة التي بدأها الآباء والأجداد.

20