لماذا لم تنقذها يا كارتر

السبت 2015/04/25

عشرات الصور التي تطالعنا يوميا في شاشات التلفزيون أو الكمبيوتر، صور لأطفال في محنة اسمها النزوح، بعضهم يموت وبعضهم يتذوق طعم الحرمان الذي يشبه الموت للمرة الأولى في حياتهم، وقد أوشكت رحلتهم فيها على نهايتها قبل أن يتاح لهم تدوين بداية مناسبة لها.

في العام 1993، حاز كيفن كارتر، مصور صحفي من جنوب أفريقيا، على جائزة بوليتزر العالمية عن صورته الشهيرة “طفلة مجاعة السودان”. كان كارتر في رحلة إلى قرية نائية لالتقاط بعض الصور، حين سمع صوتا لأنين طفلة صغيرة هزيلة، كانت قد توقفت عن الزحف لبرهة وهي في طريقها إلى مركز لتوزيع الطعام، وفيما كان يتهيأ لالتقاط الصورة حط نسر بقربها، ذكر كارتر لاحقا أنه انتظر نحو 20 دقيقة آملا أن يفرد النسر جناحيه من أجل أن يلتقط أفضل صورة ممكنة! لكن النسر لم يفعل، فاضطر إلى التقاطها على عجل لكنه طرد النسر قبل أن يغادر المكان. أثارت الصورة تعاطفا كبيرا من قبل الرأي العام -في حينها- مع الطفلة التي يعتقد بأنها كانت فريسة للنسر، كما أثارت سخطا أكبر على المصور الذي نسي في لجة انشغاله أن يمد يد المساعدة للصغيرة وينقذها من براثن الموت. بعد تسلمه الجائزة المرموقة، أقدم كارتر على الانتحار تاركا رسالة اعتذار مطولة عن تفاهة العيش وسط هذا الخراب، ولأنه لم يجد إجابة مقنعة على سؤال كبير كان يواجهه به جمهور من الناس أينما حل: لماذا لم تنقذها يا كارتر؟

أكثر من 150 مليون طفل على مستوى العالم مشردين أو نازحين جيّاع في الشوارع، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة المشكوك في مصادرها، هذا لأن بعض الأمم ما زالت تتغاضى عن كشف الحقيقة خوفا من تعكير مزاج كتب التاريخ، كما أن بعض الأمم لا يعنيها ما يدور في شوارعها الخلفية من فواجع، طالما احتفظت بمساحة أمان مناسبة والتجأت إلى جدران القصور لتحتمي فيها، وهنالك -بالطبع- كثير من الأمم لم تصل بعد إلى تعريف محدد لماهية هذا المخلوق العجيب الذي يدعى “طفل”. هذه المخلوقات التي بدأت في الظهور بقوة بعد موجة الحروب والثورات الأخيرة هي أطفال ينتمون إلى (أسر الشوارع) ممن يعيشون مع بقية أفراد أسرهم في الشارع بسبب النزوح الجماعي أو عمليات الهجرة المنظمة، هربا من الموت الذي سكن بيوتهم البعيدة العامرة التي غادروها دون أمل لعودة. ودون سابق إنذار، يجد هؤلاء الأبرياء أرواحهم الصغيرة في مهب العنف تقتلعهم موجات من كراهية لتقذف بهم إلى الشوارع فيسكنون منازل من ريح، نوافذها من وجع وأبوابها من جوع.

وبعد أن تصطاد العدسات ملامح بؤسهم، تتلقفهم مساعي المنظمات الإنسانية المحلية والعالمية التي تصل دائما متأخرة عن موعدها بسبب فرق توقيت الموت، حيث يكون الأوان قد فات، فإذا لزمت بضاعتهم أماكنها وسط دهشة النازحين وأفواه الصغار المحدقة في الأكياس المغلقة وأحلامهم المعلقة على شربة من ماء أو قضمة من طعام، تطالعهم خيبة أمل، فميزان العدل لا يتيح لهم سوى النزر اليسير بسبب الأعداد المتزايدة من المحتاجين.

نجلس، فنطالع من عليائنا بعضا من ملامح هؤلاء التقطتها عدسات المصورين من شوارع الموت والفاقة والنزوح، صغار ضحايا لغباء السياسيين وجشع رجال الدين، ينبثقون كغلطة غير مقصودة في جسد الشارع كلما أصاب عطب ما مجتمعاتهم، فلا تتلقفهم سوى علامات التعجب في مقالاتنا الفاترة!

21