لماذا لم نهزم القرون الوسطى في حياتنا

الاثنين 2014/06/16

للمفكر المصري المعروف سلامة موسى تحليلات مهمة بخصوص مفهوم النهضة والعلاقة المتبادلة بين التخلف وبين اللغة في المجتمعات العربية، فهو يلفت انتباهنا إلى أنه “يجب أن نعرف بأننا أفسدنا معنى النهضة كما يفهمها الأوروبي الذي عرف من النهضة الأوروبية، منذ القرن الرابع عشر إلى القرن العشرين، أنها تحرير الشخصية البشرية من التقاليد والغيبيات، وأنها إقبال على العلم التجريبي، وأنها فصل الدين عن الدولة، وأنها كذلك انتزاع الخير من الطبيعة”.

ولقد قال سلامة موسى أثناء وجود بلداننا في قبضة الاحتلال الأوروبي: “إن أسوأ ما أخشاه أن ننتصر على المستعمرين ونطردهم، وأن ننتصر على المستغلين ونخضعهم، ثم نعجز عن أن نهزم القرون الوسطى في حياتنا..”. أليس هذا ما حدث ولا يزال يحدث في بلداننا حقا؟ ففي تقدير سلامة موسى إن التغيير في البنية الثقافية وأن التحول في بنية المجتمع لا يمكن تصورهما وتحقيقهما في الواقع بدون تزامن ذلك مع التغيير في الضمير.

كما نعرف فإن سبينوزا قد أوَل وحدة العقل والجسد على أساس أن العقل هو فكرة الجسد، ونحن نستطيع أن نقول أيضا بأن الثقافة هي فكرة الضمير، ولذلك فإن تغيير أحدهما يفضي حتما إلى إحداث تحويل في الآخر، وإنَ جمود أحدهما يستدعي أيضا جمود الثاني.

كما يبدو أن الثقافة العربية باعتبارها فكرة الضمير الجمعي بمجتمعاتنا قد تعرضت للفساد والعطب، أما اللغة التي يعتبرها سلامة موسى “قاعدة الثقافة” فلم تجد أيضا علاجا صحيحا.

في هذا السياق يشير سلامة موسى إلى مربط الخلل هكذا: “نجد في لغتنا العربية عيوبا عديدة تعود إلى تاريخها الاجتماعي، ولغة الأدب العربي هي قبل كل شيء لغة الفقه الإسلامي، ثم هي لغة الفروسية، وأخيرا لغة المترفين من الأمراء والأثرياء، وما عدا هذه الموضوعات الثلاثة قليل”. وبمعنى آخر فإن اللغة العربية ببلداننا لم تنتقل من لغة الولاء للواقع كما هو إلى لغة الأداء العلمي والفكري النقدي، أي أن اللغة العربية قد بقيت حمَالة الانفعال وليس الفاعلية.

ففي الواقع فإن سلامة موسى قد طرح على الفكر العربي، ومنذ أكثر من ثمانين سنة، مشكلة كبيرة وخطيرة للنقاش، تتمثل في كون بنية اللغة العربية وقواعد البلاغة العربية المرتبطة مع بنية العقل العربي قد بقيت تحليلية ولم تتطوّر لتصبح تركيبية.

إنَ هذه الأطروحة تلتقي مع الأطروحة التي أبرزها لورانس العرب في كتابه “أعمدة الحكمة السبعة” والقائلة بأن العقل العربي تحليلي وليس تركيبيا أيضا، بمعنى أنه عقل تحليلي توفيقي ووصفي وليس عقلا تركيبيا يولَد الأفكار الجديدة ويضيف المعنى المبتكر.


كاتب من الجزائر

15