لماذا لن يحدث أي تغيير إيجابي في الجزائر

عدم الانطلاق في بناء صيغة عصرية للهوية الوطنية أفرز مجتمعا جزائريا مشكلا من الإعاقات التي تطال الفكر والثقافة والسياسة على نحو مخيف، ولا يبدو في الأفق أي أمل لتجاوزها.
الخميس 2018/08/09
تصاعد الاحتقان الشعبي

لا يختلف عاقلان في غياب أي تصور استراتيجي لمشروع تنموي وطني عصري في الجزائر يمكن أن يحدث تحويلا راديكاليا نحو الأفضل في الفكر والوجدان والسياسة والبنيات الاجتماعية والنفسية والثقافية والتعليمية حتى الآن، توضع بموجبه البلاد على سكة التحديث والعصرنة ويفضي إلى فك الارتباط مع التبعية العمياء لفرنسا ولمختلف أنماط التخلف البنيوي المتجذر في كل مناحي الحياة في الأرياف وفي المدن.

الملفت أن غياب هذا المشروع ليس إلا ظاهرة مزمنة تمس جميع القطاعات المادية والثقافية في الجزائر، وما يؤسف له أن أحزاب المعارضة ما فتئت تعيد إنتاج هذه النمطية وأشكال أخرى من التعفن السياسي مثل سلوك وذهنية النظام الفردي الحاكم، ومن المعلوم أن كل هذا لم يعد محصورا في النخب الحاكمة في أعلى هرم السلطة، بل إنه يتفاقم على مستوى القاعدة الشعبية التي حرمت منذ الاستقلال من أبجديات التنظيم الحديث، والقيادة الرشيدة، والوعي النقدي البناء. وقد استفحل المرض في الأوساط الشعبية جراء سلب الشعب الجزائري روح مقاومة الحكم الفردي التسلطي.

هذا الوضع المتردي هو نتاج لتضافر عدة عوامل متشابكة في مقدمتها فرض ذهنية الرضوخ للأمر الواقع، فضلا عن التطبيق التعسفي لسياسات الترقيع بدلا من سياسات تطوير القاعدة الفكرية الوطنية التنويرية التي تنهض عليها عمليات التغيير الجذري المستمر في المجال العام وداخل هياكل الدولة. لا شك أن فحص الواقع الجزائري يبرز أن تردي أحوال البلاد قد تفاقم بسبب انعدام منهج العمل السياسي التحديثي العلمي، إلى جانب هذا هناك أيضا عامل شديد التعقيد يتمثل في تداعيات آثار العشرية الدموية التي كسرت ظهر الشعب الجزائري وثبتت في طبقات وعيه ولاوعيه أشباح الخوف والرعب من عنف الدولة والمعارضة المسلحة.

السؤال الجوهري الذي يجب طرحه في هذا السياق هو ما هي العوامل التي أدت إلى سقوط رهان بناء الدولة العصرية في الجزائر بكل مقوماتها التنظيمية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية؟ الإجابة على هذا السؤال مرهونة بالإشارة إلى مسائل أساسية لم تنجز في الجزائر منذ الاستقلال إلى اليوم، وهي تمنع حدوث أي تحول في البنيان العام للدولة الجزائرية، وتتلخص المسألة الأولى في عدم التحرر من نموذج المجتمع التقليدي الرجعي ذي البنية المركبة التي يتحكم فيها الفكر السياسي والعشائري والجهوي. ويلاحظ أن ما أنجزته الحكومات الجزائرية المتعاقبة على جهاز الحكم هو التفريغ التدريجي للمواطنين من وازع الوطنية التي عرفتها حركات التحرر الوطني الجزائري في مراحل مقاومة الاحتلال، ويبدو أن مختلف الانفجارات التي عصفت بالجزائر بما في ذلك العاصفة الشرسة للعشرية الدموية ليست إلا تعبيرا على إجهاض هذه الوطنية في مرحلة الاستقلال، وحلول المصلحة الشخصية والشللية والزعامة الفردية الطاغية محلها في الحياة العامة وفي مجال الممارسة السياسية.

أما القضية الثانية فتتمثل في تخبط الحكومات الجزائرية إزاء مسألة الهوية الوطنية وذلك على مدى 55 سنة من الاستقلال. وقد تمت المتاجرة بقضية الهوية بطرق مختلفة من أجل الوصول إلى الحكم أو ضمان البقاء فيه، أو بهدف تقسيم كعكة المناصب والثروة والنفوذ بواسطة انتهاج أسلوب انتهازي يسمى في الأدبيات السياسية الجزائرية بالتمثيل الجهوي بدلا من التمثيل الديمقراطي الشعبي غير المركزي. وقد نتج عن التلاعب بمكونات الهوية الوطنية، وتأجيل الحوار العلمي المتحضر حول مكوناتها وحول سبل تطوير عناصرها، استخدام اللغة العربية مطية لاحتلال المناصب الحساسة بدلا من ترقيتها وتحديثها، واستعمال اللغة الفرنسية لمقارعة المعربين وليس لإغناء اللسان الجزائري وتخصيب التعددية الثقافية، أما اللغة الأمازيغية ومضامينها الثقافية والتاريخية فقد حوربت وجمدت طويلا وها هي الآن توظف لكسب لعبة تنكرية سياسية تتمثل في التشبث بالحكم إلى أجل غير مسمَى.

وفي الواقع فإن عدم الانطلاق في بناء صيغة عصرية للهوية الوطنية أفرز مجتمعا جزائريا مشكلا من الإعاقات التي تطال الفكر والثقافة والسياسة على نحو مخيف، حيث لا يبدو في الأفق أي أمل لتجاوزها في المدى المنظور.

9