"لماذا نحن معا".. "وهل هناك بديل آخر"

التعريفات التي تنتجها المجتمعات لنفسها بشأن الهوية، زادت من التشرذم وغذّت خطابات الكراهية، وذلك بسبب عدم استقرار الخرائط الجغرافية والسياسية، وهو الأمر الذي جعل مسألة العيش المشترك في مهب عواصف الاقتتال والتعصب الديني والعرقي، وتطرح السؤال حول مستقبل البشرية، هذا السؤال تصدى له الكاتب ألبرتو مانغويل، في سلسلة محاضرات استلهم فيها قصصا وأساطير من حضارات مختلفة، منبّها من خلالها إلى أنّ الرواية في التراث البشري تقدم الوصفة السحرية عبر تنبيهنا إلى استحالة وقوعها دون الآخر، على اعتبار أنّ لغة القص هي أداة تواصل وجداني عميق، ومن شأن اللغة أن تؤسس لجسور حقيقية بين الإنسانية.
الخميس 2016/11/10
ألبرتو مانغويل يؤاخي بين شعوب العالم في مكتبته

تعرّف المجتمعات بنفسها عبر خطابات حاملة لرؤى متعددة ومركبة، كما تمضي في إعادة التعريف هذه بصورة متعاقبة، بوصفها عملية تعيين لوجود اجتماعي في مواجهة الآخر، لكنها أثناء ذلك تبقى عالقة عند تصنيفات أخرى، موازية ومتناقضة، وهي غالبا حديثة العهد، ممّا يجعل الهوية الوطنية موضع تساؤل، كذلك الأمر في سؤال القومية إزاء العولمة، الولاء للمواطنة أمام مفهوم الهجرة، اختيارية كانت أم قسرية.. تلك الأسئلة، وبقدر ما تبدو شائكة، هي في الوقت ذاته باعثة على التشويش.

ما زرعته الحروب حصدته الشعوب

ربما كان ذلك ناتجا عما سببته الحربان العالميتان في القرن الماضي وتداعيات كل منهما، والمتمثلة في سقوط دول وظهور أخرى، أو في ضعف ذلك القاسم المشترك الذي كان يجمع المجتمع العالمي، ما أدى إلى ممارسات متعارضة عند النظر إلى الكثير من المجتمعات وهوياتها، حينا بتوسيع فكرتها في نسخة معدلة عن النموذج الكولنيالي، بذريعة توحيد الأمم عبر مؤسسات دولية، كالاتحاد الأوربي، أو البلدان المطلة على المحيط الهادي، أو جامعة الدول العربية، وحينا آخر بتقسيم المجتمع إلى دويلات مجتمعية أصغر، كإقليم الباسك، كيبيك الكندية، كوسوفو وغيرها، هذا بالإضافة إلى تلك العوارض التي تلاحق مجتمعات متعددة الثقافات: أعمال شغب، جرائم سياسية، عمليات إرهابية.

في عصر ينطوي على هكذا مشكلات سياسية وإثنية، لا بد أن تكون فكرة الهوية الشخصية أو المجتمعية شديدة الاضطراب بل خاضعة لآثار التشظي.

التعريفات تحتوي وتقصي في الوقت ذاته، ولكن ماذا عن الآخر، ذاك الذي نعيش إلى جواره، أو الذي يقبع في مكان آخر بعيد؟ كيف يمضي التفاعل معه بتعريف أنفسنا وتعريفه؟ بمعنى كيف يمكن لنا تحديد هويتنا وهوية من حولنا، أو لماذا نحن معا؟

ذلك ما يعاينه الكاتب والروائي الأرجنتيني (كندي الجنسية) ألبرتو مانغويل (مواليد 1948)، في كتابه " مدينة الكلمات"، ترجمة يزن الحاج، دار الساقي، 2016، عبر ما اعتبره "مجموعة أسئلة بدلا من سؤال وحيد، سلسلة ملاحظات بدلا من محاجّة"، والتي جاءت في شكل خمس محاضرات ألقيت ضمن "محاضرات ماسي" التي ألقاها عام 2007، والتي تنطوي على ثيمة أساسية تتعلق بـ"العيش المشترك".

القصص تقر بأن الآخر يمكننا من الوجود على نحو أفضل، ولعلّ ملحمة غلغامش السومرية خير مثال على ذلك

يذكر مانغويل في نقاشه مع الكاتب الكندي رونالد رايت، أنه فكر في أن يطلق سؤال "لماذا نحن معا؟" عنوانا لمحاضراته، وكان رد الكاتب "وهل هناك بديل آخر؟".

كان ثمة نهجا مختلفا في محاضراته تلك، كونها اعتمدت القصص، لأنها لا تنتظر إجابات قاطعة -عكس المعادلات العلمية- بل ستبقى بمثابة أسئلة، مصاغة بكلمات الآخرين، وبأثر ممارسة مستمدة من القراءة في كتبهم، خاصة رواياتهم، حكاياتهم وقصصهم، يقول مانغويل “انظُر إلى ما يقوله الكتاب، فربما تخبركَ الكتب والقصص عن مفاتيح سرية للقلبِ البشري".

ربما لا يخلو الأمر من الحيرة بل هو اعتراف بها، ذلك ما يستدعي استحضار العديد من الأسئلة المضافة: كيف يمكن إيجاد الهوية بالكلمات، بوصفها أداة نتواصل بها في فهمنا للعالم؟ ما هو دور الراوي في مثل هذا المسعى؟ كيف تساعدنا القصص على إدراك أنفسنا وتصور الآخرين، وهل بإمكانها أن تمنح هوية لمجتمع بأكمله؟ هل يمكن للقصص أن تغيرنا وتغير العالم الذي نعيشه؟

مفاتيح سرية للقلب البشري

كاسندرا، الكاهنة الإغريقية التي وهبها الإله أبولو نعمة التنبؤ شرط ألّا يصدقها أحد، جاء اسمها استعارة لمحاضرة أولى في الكتاب عنوانها "صوت كاسندرا". يبين الكاتب، في البداية، أن فكرة اللغة بوصفها أداة تعبير مشتركة تصوغ وتسمي الواقع أثناء تشكله، مازالت فكرة صالحة حتى هذا اليوم. وهي اللغة ذاتها التي ظهرت قبل خمسة آلاف عام، أداة مشتركة مكّنت الرجال والنساء من أن تصبح مرجعياتهم متماثلة، وأن تكون كلماتهم قادرة على أن تكشف هذا الواقع المدرك. في سنوات العالم الأولى، بدت اللغة وكأنها تمثل الزمان والمكان معا، ومن هنا كانت الكتابة السومرية رموزا توصّف أحداث الواقع.

الكاتب مانغويل يستعين بنتاج وحياة الروائي الألماني، الفريد دوبلن، والذي يصفه بكونه أعظم روائيي القرن العشرين. وكانت موضوعات كتاباته الأساسية تدور حول فكرة الهوية المتغيرة في القرن العشرين.

كتب هذا الروائي في الخمسينات مؤلفاته الأبرز، مبينا الإساءة التي تعرض لها المعنى في ظل الرايخ الثالث. اللغة حسب دوبلن، لا تعيد حكاية الماضي بل تتصوّره، إنها بمعنى ما " ترغم الواقع على إظهار نفسه، تنقّب في أعماقه، وتعرض المواقف الجوهرية، الكبيرة والصغيرة من الوضع البشري"، وتسمح لنا فعليا بمعرفة لِمَ نحن معا، هي أيضا صيغة من صيغ حب الآخر.

ألبرتو مانغويل
ولد عام 1948 في مدينة بوينس آيرس، وهو أرجنتيني المولد، كندي الجنسية. يعمل مترجما ومحررا وروائيّا وكاتب مقالات نقدية. ألّف مانغويل “قاموس الأماكن الوهمية” بالاشتراك مع جياني جوادالوبي، و”تاريخ القراءة”، و”المكتبة في الليل” و”إلياذة وأوديسة هوميروس.. سيرة ذاتية”، والعديد من الروايات. جميع مؤلفاته كتبت باللغة الإنكليزية.

وكما يذكر دوبلن، ستكون القصص عندئذ وسيلة تسجيل لتجاربنا وتجارب الآخرين، تمنح صيغا سردية لذاكرتنا، تعلمنا ألا ننسى، ومعها ستكون المكتبات مخازن تلك الذاكرة. القصص تساعد بتنويرنا وتبيان الطريق لنا، بتغذية وعينا، وهي إدراك للمشترك ما بيننا والآخرين، فيما الكلمات ستدافع عنا بالتأكيد.

الخوف من الآخر هو الخوف من أنفسنا

كان الشعراء الأيرلنديون في العصور الوسطى يحمون حقول القمح والشعير، بإلقاء الشعر في الحقول التي احتلتها القوارض، تلك القصائد التي ستدفع الجرذان إلى الموت.. نعم، فعبر الكلمة يصوغ المبدعون الأشياء، ويمنحونها هويتها الجوهرية.

لكن المبدعين يعانون لعنة كاسندرا، وهي عزوف الآخرين عن الإنصات لهم وتصديق حكاياتهم. كانت كاسندرا تصوغ رؤيتها للعالم بحساسية تختلف عما يرغب فيه أبناء مدينتها الطرواديون، وكان واجبها أيضا أن تبوح لا أن تقنع، وكأي عرّاف لا بد لها من لغة مشتركة، لكنها تبقى غامضة.

يؤكد مانغويل على أن من مزايا القصص أن تسرد الوقائع دونما إجابات حاسمة، أو إطلاق افتراضات غير قابلة للنقاش، أو حتى تقديم تصنيفات للآخرين، أي بجعل الواقع الثقيل شفافا عند سرده عبر القصص.

تقر القصص كذلك بأن الآخر يمكننا من الوجود على نحو أفضل، ولعلّ ملحمة غلغامش خير مثال على ذلك. القصة الأسطورية المكتوبة باللهجة الأكادية في الألفية الثانية قبل الميلاد، المستندة إلى أصل سومري قديم، تحكي عن قصة مغامرة ملك مدينة أوروك غلغامش، والتي تبدأ من لحظة صداقة أنكيدو الرجل البري، قليل المعرفة ببشريته، حيث سيواجهان معا الأخطار التي تهدد المدينة.

كان ذلك دالاّ على أن الحياة ليست فردانية تماما، بل هي قائمة بحضور الآخر، وقد تتضاءل بغيابه. بعد موت أنكيدو سيعرف الملك أنّ صديقه كان جزءا من هويته، و لم يعد باستطاعته تحقيق أفعال مجيدة.

يبقى تاريخ القصص تاريخ ثنائيات، الصديقان، العاشقان، العدوّان، المعلم والتلميذ، تلك التي تكمل بعضها البعض أو تعارض بعضها البعض.

كانت فكرة الآخر التي تم اكتشافها في أوروبا في القرن الـ19 ، جراء الخوف من بدايات العصر الصناعي وتأثيره كما تصوروه على إنسانيتنا، هي السر المجهول، الباعث على دوافع شتى لاكتشافه.

من مزايا القصص أن تسرد الوقائع دونما إجابات حاسمة، أو إطلاق افتراضات غير قابلة للنقاش، أو حتى تقديم تصنيفات للآخرين

في روايتي "الدكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت لويس ستيفنسون، و"صورة دوريان غري" لأوسكار وايلد، في تلك الروايتين يتضح أن الخوف من الآخر هو الخوف من أنفسنا، الخوف المتأصل من أن اكتشاف ذواتنا، يستلزم طرح الهوية غير المكتشفة بعد، وذلك عبر نفي الآخر، خارج أسوار المدينة.

لكن ملحمة غلغامش تقول العكس، لا يمكن أن تكون كاملا، إلا بعد اتحادك مع الآخر. أثناء هذه المشاركة سيصون كل منا فردانيته في شكل يمنحه التحرر من الانحياز، وهو ما يحتاجه العالم المعاصر متعدد الوجوه.

يذكر المؤلف في محاضرته الثالثة التي أسماها "أحجار بابل"، أن خلط اللغات في بابل كان عقابا إلهيا لهؤلاء الذين بنوها، حتى يعجز كل منهم عن فهم ما يقوله الآخر، جراء طموحهم الجنوني إلى غزو مملكة الإله كما تذكره الأسطورة التوراتية، إذ قاتل بعضهم البعض، بعد أن تناسوا أنهم كانوا يحتفظون بلغة واحدة قبل طموحهم. يخلص الكاتب إلى أن الفشل في التصور الصحيح للمختلف، هو من أسباب النزاعات التي يشهدها العالم في كل مكان اليوم.

تنطوي هذه الفكرة في بعدها الآخر، على كون اللغة تنبّه إلى إيجاد وسيلة مشتركة للتواصل ومعرفة الآخر، أي بجعل أنفسنا مفهومين، كي نكسر لعنة بابل.

تبقى للغة قدرة محاسبة قوية، حتى للقصص المتشكلة من كلمات، والمنقولة عبرها، فالقصص ليست نتاج تجارب من خلال اللغة، بل هي نتاج اللغة التي تروى بها، وهي السرديات التي تتأصل عند كل بوح.

كل قصة جيدة هي هوية فردية ومجتمعية، حينما يمنح الحكي وظيفة التعبير بإحالة التجارب الشخصية إلى أن تكون معنى جماعيا مشتركا، بذلك تكون القصص ملكا للجماعات التي تصونها. في المجتمعات غير المدنية، والتي لا تحيل تدفقاتها الإبداعية إلى وحدات ثابتة، راسخة في كتب مطبوعة، مثلا، تتغير القصص كي تحافظ على تدفق الذاكرة، أي أنها تنتمي إلى الزمن لا إلى نفسها، فما يروى ليس سوى القصة التي قيلت الآن.

في محاضرته "كتب دون كيشوت"، مستعيرا اسم الرواية التي أصبحت من أكثر الكتب رواجا في العالم، وباتت قصة أسبانيا الرائعة، وأسطورتها التخيليّة -كما هي رمزها الثقافي- يعين ثرفانتس مؤلفها، عبر حكاياتها الغريبة، تنبّه إلى أنّ ما نعتبره أجنبيا ليس سوى أنفسنا وقد حكم عليها بالمنفى.

القصص تنبئنا بالنهايات السعيدة

دون كيشوت وحامل درعه سانشو، شخصيتان متعارضتان، لكنهما سيتحولان عبر هذه القصة إلى مرآتين نبيلتين تعكس إحداهما الأخرى.

يذكر مانغويل أننا نتمنى دائما عالما أفضل وأكثر سعادة، لكننا في الوقت ذاته نحمّل شرورنا، على نحو ما، الجار، الآخر الدخيل، الخارجي المتربص بنا خارج الأسوار.

لذا تنفتح قصص غلغامش، أو دون كيشوت أو غيرهما من القصص على أفق آخر للمعنى، هو ليس ذلك الأفق الدوغمائي الذي تقره السلطة، هادفة من خلاله إلى منع رواية القصص الحقيقية، بل ذلك الأفق الذي يصوغه الأدب، بلغته الملتبسة، المفتوحة، القادرة على الإثراء على نحو غير نهائي، وفي كون ما ينتج هو بمثابة أفق مفتوح غير مغلق، وغير حاسم، حيث يتأمل الأدب فيما هو أكثر من البدايات.

تقول لنا القصص إن عالمنا الأفضل، السعيد، يقع خارج متناولنا، وعلينا السعي لبلوغه. هذه القصص لا تحمينا، لكنها يمكن أن تنبئنا بما قد يحدث، وتدعونا كي نكون يقظين، تمنحنا طرقا كي نبقى أحياء، معا، على هذه الأرض المنتهكة. القصص هي من تسمي تجاربنا، وتوعدنا بالنهايات السعيدة.

كاتب عراقي

13