لماذا نرفض سلطة التكنوقراط

الاثنين 2016/04/18

بادئ الأمر نقول قد تبدو مطارحات التكنوقراط مقنعة ولو في حدود معقولة. وقد يبدو واقع الحال في غير حاجة إلى أي نقاش إضافي. غير أن المسألة ليست بهذا النحو من البساطة. لكل فكرة نقاط قوة لا يمكن إنكارها، لكن، لها في المقابل حدود يجب كشفها. وهذه هي الفرضية التي سنحاول اختبارها الآن.

من حيث الدلالة اللغوية يدل مصطلح التكنوقراط على سلطة الخبراء التقنيين من ذوي التكوين الفني المتخصص والكفاءة العالية في مسائل التدبير والتسيير. وإذا كان الأمر كذلك فلا يبدو أن هناك مانعا من أن يمتلك السلطة أمثال هؤلاء. لا سيما في الحالات التي تكون فيها الأحزاب السياسية ضعيفة أو ينخرها الفساد، أو أنها لا تفعل من شيئا آخر عدا التهييج الشعبوي والتحريض المذهبي والطائفي، بل ثمة في الوقت الراهن أمثلة لا يمكن غض الطرف عنها وتمثل نجاحات مذهلة لتجربة التكنوقراط. نذكر من بينها، أو على رأسها، تجربة الصين نفسها، تلك الدولة التي تضم داخل حدودها الترابية زهاء خمس سكان الأرض، وقد انتقلت في ظرف وجيز من دولة نامية، إلى قوة اقتصادية عظمى تغزو الأسواق العالمية ويضرب لها ألف حساب، وكل هذا بفضل فريق عمل تكنوقراطي يسيطر على الحـزب الشيوعي الحاكم ويتألف من أشخاص غير مؤدلجين يتمتعون بكفاءات عالية ممهورة بآداب الصرامة والانضباط. ومن دون شك تقدم التجربة الصينية نموذجا في إدارة الإنتاج يغري الكثيرين في العالم.

ثمة أيضا تجارب أخرى مثيرة للإعجاب، ضمنها على سبيل المثال تجربة إمارة دبي والتي تقدم هي الأخرى نموذجا إضافيا لنجاح رؤية التكنوقراط في تحويل إمارة قاحلة ومن دون أي قطرة نفط، إلى أحد أهم مراكز الجذب المالي والإعلامي والمعلوماتي في العالم. وهي تجربة تغري بدورها الكثيرين. ثم إن الوضع الحالي في العراق، إذا اخترنا مثالا في الاتجاه المعاكس، يجعل من تجربة حكومة التكنوقراط خيارا قد يبدو الأفضل مقارنة مع التشكيلات الطائفية المتصارعة لأسباب تعود إلى أساطير الأولين: سقيفة بني ساعدة، وجمل عائشة، وقميص عثمان، ودم الحسين، وهلم جرا. بهذا المعنى قد تبدو الاستعانة بالتكنوقراط، أو تفويض بعض مجالات التدبير إليهم، خيارا أكثر عقلانية من سياسات حزبية تراعي الحساسيات والتوازنات وأحيانا الترضيات على حساب الكفاءات. ألا يبدو الأمر كذلك في الكثير من الأحيان؟

يجب الاعتراف أولا بأن هذا الطرح لا يخلو من حجية، لا سيما بالنظر إلى ظروفنا الراهنة حيث تفقد السياسة معناها النبيل (التدبير الجماعي للعيش المشترك، الانخراط الواسع في النقاش العمومي، العمل على تحسين جودة السلوك المدني، المساهمة في تدبير المصير المشترك) بل أصبحت السياسة مجرد مهنة، بل هي مهنة من لا مهنة له. والحق يقال، التكنوقراط أفضل من سياسة عدمية وعديمة الجدوى، سياسة خالية من النقاش الفكري والقيمي ولا تتقن من شيء آخر غير التهريج والتهييج. لكن، أين المشكلة؟

هناك مسألة تتعلق بالمبدأ: حين نتكلم عن التكنوقراط فنحن لا نتكلم عن مجرد أشخاص لهم خصائص ومميزات وكفاءات يضعونها رهن إشارة أصحاب القرار، وهذا مطلوب في كل الأحوال، لا نتكلم عن أشخاص قد تكون مكاتبهم على مقربة من دوائر القرار لأسباب مهنية ويخضعون للمسؤولية الإدارية والمحاسبة السياسية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن الأمر يتعلق برؤية للسياسة وللسلطة تقوم على المرتكز التالي: نادرا ما تتوفر الكفاءة الكاملة لتدبير السلطة في المنتخبين. وقد لا يكون المنتخبون هم الأكثر كفاءة إلا في حالات نادرة جدا تلعب فيها عوامل الصدفة دورها. وهي ملاحظة قد تبدو دقيقة. وإذا كان لا بد من وجود مناصب سياسية، وهي ليست ضرورية في كل الأحوال، فلتكن تلك المناصب مجرد واجهات عمومية للجهد التدبيري الذي يقوم به فريق التكنوقراط. وهو فريق خفي يعمل بصمت وبعيدا عن النقاش العمومي ما دام يحقق أهدافا تنموية ملموسة في آخر الحساب، أو هذا هو المطلوب، فيما يسميه البعض بـ”الدولة العميقة”. ويبقى الوضع الأفضل أن يعمل هذا الفريق مباشرة على رأس الحكومة بلا حاجة إلى واجهة سياسية أو دولة عميقة. هذه هي وجهة النظر التكنوقراطية.

وفعلا، للاعتراف مرة أخرى، عندما يصبح النقاش العمومي مجرد ثرثرة أو جعجعة بلا طحين قد يبدو التكنوقراط خيارا أفضل، غير أن هناك قناعة أخرى: لم تكن السياسة في أي يوم من الأيام مجرد مفاضلة بين طريقين اثنين لا ثالث لهما، إنما السياسة على الدوام توسيع لدائرة الخيارات. وهنا يأتي دور الخيال السياسي. من قال إن الخيال فائض عن الحاجة السياسية؟

لهذا، وبصرف النظر عن نجاحات التكنوقراط هنا أو هناك، لأسباب لا تقبل التعميم، ثمة مخاطر كثيرة تكتنف سلطة التكنوقراط سنعرضها بالنحو التالي:

أولا، إلغاء دور النقاش العمومي في تطوير الآراء والسياسات، والذي يمثل فرصة سانحة لتنمية ذكاء المواطنين. وكما نقول دائما، فإن انخفاض ذكاء المواطنين يمثل خطرا على الأمن القومي ولو بعد حين. لا سيما بالنسبة إلى الشعوب التي يغلب عليها الطابع الانفعالي. وإذا كانت دبي تقدم بعض مظاهر النجاح التكنوقراطي في العالم الإسلامي، فعلينا ألا ننسى طبيعة التركيبة السكانية. وهو وضع استثنائي يتعذر تعميمه.

ثانيا، إلغاء الحاجة إلى الشفافية والوضوح أثناء تدبير الملفات، طالما المهم في آخر الحساب هو النتائج. علما بأن النتائج عادة ما تخضع للمعايير الحسابية والكمية.

ثالثا، تهميش دور الأحزاب كمشاريع مجتمعية جمعية، ومن ثمة خطر الموت السريري للسياسة. وهو ما يفتح الباب أمام عودة القبائل والعشائر والطوائف الدينية، لا سيما داخل المجتمعات الأهلية التي لا تزال غارقة في أوحال القدامة.

رابعا، استبعاد القيم الإنسانية والأفكار الرئيسية والسلوك المدني عن مجال تدبير الشأن العام، واختزال السياسة في مجرد تدبير تقني حسابي. وغالبا ما ينتهي هذا الأمر إلى سيطرة العقل الأداتي على حساب العقل النقدي أولا، وعلى حساب العقل التواصلي ثانيا، إيذانا بصعود أنظمة شمولية قد تكون أصولية هذه المرة.

خامسا، عندما تنتهي النزعة التكنوقراطية إلى إقصاء الأفكار، وإلغاء النقاش العمومي، وتعطيل مساهمة المواطنين في تدبير المصير المشترك، فإنها تحول المواطنين إلى مجرد موظفين، وبذلك تترك الباب مفتوحا أمام الفكر الأصولي الغوغائي لكي يملأ فراغ الوعي السياسي والحس الثقافي لدى الشعوب. وهذا ما سيجعل من الخيار التكنوقراطي داخل الكثير من مجتمعاتنا مجرد مقدمة لانتصار الأصوليات الزاحفة على وعي الشعوب، سواء عن قصد أو من دون قصد، لا فرق.

كاتب مغربي

9