لماذا نغضب من المرآة عندما نرى وجوهنا قبيحة؟

الروائي والقاص وجدي الأهدل يرى أن الرواية اليمنية نجحت إلى حد بعيد في تصوير المآسي التي تحدث في اليمن.
الخميس 2018/06/14
طقوس الكتابة مسألة لا معنى لها

يرى الروائي والقاص اليمني وجدي الأهدل أن الرواية اليمنية نجحت إلى حد بعيد في تصوير المآسي التي تحدث في اليمن، وأن ثلة من الروائيات والروائيين قد ساهموا – كل واحد من زاوية نظر مختلفة- في تنوير القراء وتسليط الضوء على أشكال المعاناة الاجتماعية وفساد السلطة المزمن وغلو الخطاب الديني، ونقد العادات والتقاليد السلبية مثل زواج القاصرات وتعدد الزوجات واحتقار ذوي البشرة السوداء من طائفة الأخدام وازدراء العاملين في مهن معيّنة إلخ. ويلفت إلى أن هناك قائمة طويلة من الأعمال الروائية اليمنية الجادة التي تناولت هذه الموضوعات، والقارئ المتابع للمشهد اليمني سوف يحصل على صورة واضحة عن اليمن أرضا وشعبا.

 

باتت الرواية بحق المرآة التي تكشف الصورة الحقيقية للبيئة التي تكتب فيها، وربما يفسّر لنا هذا محاربة البعض من القراء العرب للروايات العربية الجريئة، حيث تعكس هذه الروايات صورة المجتمعات العربية بلا مكياج أو زيف، وهو ما يخلف احتقانا لدى البعض من الواهمين بأن هذه ليست صورهم. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي اليمني وجدي الأهدل حول الرواية وواقعها.

ثورة الهامش

يرى وجدي الأهدل أن المتغيرات التي تشهدها مجتمعاتنا كسّرت القوالب النمطية للفنون ومن بينها الرواية التي انتقلت لتصوير الهامش من الحياة بطريقة لافتة، مستطردا “لقد تهشمتْ الدولة وتراجعت مركزيتها، وباتت السلطة موزعة وأحيانا مفتتة بين أطراف متعددة. ربما يفعل الأدب الشيء نفسه حين يلاحظ هذا الصراع بين المركز والأطراف، وقد يرصد سوء سلوك المركز الذي يخلق التذمر في الأطراف. نحن نشهد انقلاب الهامش الاجتماعي الذي يشكل 90 بالمئة من الشعوب العربية على النخبة التي احتكرت السلطة والثروة. وفي روايتي ‘أرض المؤامرات السعيدة’ تجري الأحداث في منطقة جغرافية هامشية، وتجري السلطة المركزية تجاربها في التلاعب بالرأي العام هناك دون أيّ اعتبار مطلقا للعدالة”.

ينطلق المشروع الروائي لصاحب رواية “قوارب جبلية” من فضح صريح للتابوهات الثلاثة، الدينية والسياسية والاجتماعية. موضحا “رغم أن هناك من يتّهمني بأنني سفيه أو أسعى بشكل مبتذل إلى الشهرة. سوف أصبر على هذه الاتهامات التي لا تُكلف أصحابها شيئا ولا تؤنبهم ضمائرهم حين يلقون بها ذات اليمين وذات الشمال، لأن الهدف الذي أسعى إليه هو إحداث ‘صدمة’ في وعي وضمير هذا الإنسان العربي المتبلّد الشعور. لنعترف بالحقيقة أن الإنسان العربي لا يتفاعل وجدانيا مع مأساة الأرواح البشرية التي تزهقها الحروب، وأنه لا يُظهر أدنى تعاطف مع الملايين من اللاجئين المشردين من بيوتهم وأوطانهم. ولكنّ مشهدا جنسيا في رواية كفيل بإيقاظ ضميره الأخلاقي النائم فيثور ويغضب وينتفض مطالبا بمصادرة الرواية ومنعها ومعاقبة كاتبها بأشد العقوبات. ألا ليت هذا المثقف أو القارئ الذي ثارت حميته بسبب بضعة أسطر في رواية أن يقوم بردة الفعل نفسها على قتل المدنيين وقصف بيوتهم وتدمير مصادر عيشهم وتهجيرهم واضطرارهم للعيش في ظروف لا إنسانية بالغة الصعوبة والسوء”.

ويتابع الأهدل “أتساءل أيّ ضمير هذا الذي نحمله. إن معاناة الأطفال الذين شردتهم الحروب وحرمتهم من التعليم والرعاية الصحية لا تحرك ساكنا في هذا الضمير البارد، ولكن كلمة خادشة للحياء في عمل خيالي سوف يحتج يقول إنها آذت ضميره المرهف الحساس وأساءت لقيم المجتمع وأن هذا انحطاط أخلاقي. وكأن السكوت على معاناة ملايين الأطفال في فلسطين واليمن وسوريا وليبيا ليس انحطاطا أخلاقيا، وكأن موتهم على هامش الصراع لا يُثقل ضميره ولا يخزه حتى مجرد وخزة خفيفة”.

مشعل الحجازي في رواية “فيلسوف الكرنتينة” بطل روائي، يحاول مجابهة التطرف الديني الذي تعاني منه منطقته ولكنه يفشل. ويرى الأهدل أن الرواية تُحدث تغييرا لكن ليس بالصورة المباشرة التي نتخيّلها. ليس بإمكان الروايات جعل المجتمع يقتنع بالعدالة الاجتماعية وحرية الرأي والرأي الآخر والديمقراطية والدولة المدنية، لكن يمكن للأعمال الروائية أن تكشف مساوئ المجتمع وعيوبه، فظاظته تجاه النساء وعنصريته تجاه الفئات الاجتماعية الأدنى في سلم السلطة والثروة. يمكن للرواية أن تشرح للقارئ كم نحن متعطشون لفرض معتقداتنا على الآخرين ولو بالقوة، وكم نحن نضيق ذرعا بالمخالف لنا في الرأي ونسعى لاستئصاله إما بقتله وإما بتهجيره.

الرواية تحدث تغييرا لكن ليس بالصورة المباشرة، فليس بإمكان الروايات جعل المجتمع يقتنع بالعدالة وحرية الرأي
الرواية تحدث تغييرا لكن ليس بالصورة المباشرة، فليس بإمكان الروايات جعل المجتمع يقتنع بالعدالة وحرية الرأي

ويضيف “الرواية ما هي إلا مرآة نرى فيها أنفسنا، ولذلك قد ننزعج أحيانا إذا لاحظنا أن صورتنا الظاهرة في المرآة مشوهة أو قبيحة فنصب بركان غضبنا على المرآة ونقوم بتكسيرها، مع العلم أن المرآة ليست مذنبة أو مسؤولة عن صورتك المنعكسة عليها، وأن رد الفعل العقلاني هو أن تقرر إصلاح نفسك، وفعل شيء إزاء هذا القبح أو التشوه الذي تعاني منه وضايقك حين رأيته في المرآة- الرواية”.

النساء هن الأجدر

لا يؤمن صاحب المجموعة القصصية “زهرة العابر” بطقوس الكتابة، متابعا “يمكنني أن أكتب في أيّ مكان تقريبا إذا لم يكن صاخبا، يمكنني أن أكتب بأيّ قلم ما دام قادرا على رسم الحروف، يمكنني أن أكتب على أيّ نوع من الورق ما دام يؤدي الغرض. لكن مزاج الكتابة يتعكّر إذا كان البلد يعاني من الاضطراب وواقعا تحت وطأة ظروف قاسية كالحرب والمجاعة وانتشار أوبئة خطرة كالكوليرا. هذا المناخ السلبي يؤثر على كل المبدعين وهناك من اضطرته الحاجة إلى ترك قلمه أو فرشاته للعمل في مطعم أو مصنع لتوفير لقمة العيش. والخلاصة أن طقوس الكتابة لا معنى لها حين يصبح الإبداع شيئا لا لزوم له وفائضا عن حاجة المجتمع”.

يناقش صاحب رواية “بلاد بلا سماء” في رواياته انتهاك حقوق المرأة في اليمن. نسأله إن كانت من مهام الروائي أن يحلل وينتقد ويتهكم؟، ليجيبنا بأن “هناك خللا في تعاملنا مع المرأة، ويظهر هذا الخلل أكثر ما يظهر في البلدان التي تعاني من الكبت الجنسي. في اليمن على سبيل المثال يُعيق التحرش الجنسي النساء عن ممارسة حياتهن بصورة طبيعية. والاستفاضة في الشرح لا داعي لها، فأيّ رجل يعيش في بلداننا العربية يدرك ما أقصده إن لم يكن هو نفسه يمارسه”.

ويتابع “الأمر الثاني هو أنني مع منح النساء أعلى المناصب القيادية في الدولة، أيّ أن تكون لدينا ملكات في الأنظمة الملكية ورئيسات في الدول الجمهورية. لديّ حدس بأن النساء أفضل من الرجال في قيادة الدولة والأمة”.

ويرى الأهدل أن “الروائي يغرف من الواقع؛ لكن أيّ واقع؟ هناك عدة مستويات من الواقع، هناك الواقع الذي تتداوله وسائل الإعلام وتكرسه، وهناك الواقع الذي نظنه واقعا وهو لم يعد كذلك، وهناك الواقع المرئي الذي يراه العائش ويُحس به على جلده، وهناك الواقع غير المرئي الذي يخفى حتى على العائش بداخله لشدة المؤثرات التي تشوش رؤيته”.

ويضيف “لعل الروائي الموهوب هو من يمسك بالواقع غير المرئي للعيون ويجعله مرئيا للقارئ. إنه واقع مختلف بصورة جذرية عن الواقع الزائف الذي تقدمه وسائل الإعلام المتحيّزة، وعن الواقع السطحي الذي يطفو في مواقع التواصل الاجتماعي وثرثرة المقاهي، إنه واقع مصفى من الشوائب كسبيكة ذهبية من عيار 24”.

15