لماذا نقرأ الروايات؟

الخميس 2016/11/17

الروايات هي أكثر الكتب مبيعا في العالم، والجوائز التي تُرصد لها تفوق ما يُرصد لسواها من الأجناس الأدبية، وكتّابها أكثر شهرة من المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والمؤرخين إلا من استطاع أن يحقق النجومية في مجاله، وهذا أمر نادر. فلماذا يُقبل الناس على قراءتها أكثر من غيرها؟ ولماذا يتعلقون بأبطالها، ويتأثرون لمصائرهم حدّ البكاء وهم يعلمون أن أولئك الأبطال لا وجود لهم إلا في خيال مبدعيهم؟ ما هو الشيء الذي يبحثون عنه في الرواية ولم يعثروا عليه في المؤلفات النظرية؟

هذه المسألة على ظاهر ما فيها من بساطة احتملت عدة تأويلات من كبار المنظرين. فبعضهم، كرونالد شوسترمان، يعتقد أن الرواية لا تستكشف المفاهيم ولا تستخلص الأفكار، بل تقترح مقابل صرامة العلم ما يأتي صدفة على غير انتظار، ولا يمكن بالتالي أن ندرجها ضمن العلوم المعرفية.

إلا أن آخرين، من تودوروف وجنيت إلى جان ماري شافر وراينر روتشيلدز، يؤكدون على طاقتها المعرفية، ويذهبون إلى القول إن ما نبحث عنه في الروايات هو معرفة الإنسان والعالم والحياة بشكل أفضل، بل إن بعض المؤرخين وعلماء الاجتماع يبحثون هم أيضا في الأعمال الأدبية عن حقائق تاريخية واجتماعية، وإن كانت لا تختص بذلك، إذ ينبغي التمييز بين محتوى المعارف التي يحملها نص ما والخيال الذي يتوسل به. فـ”غريب” كامو على سبيل المثال تُشكّل في بعض أوجهها حصيلة ثيمات الفلسفة الوجودية، كالوحدة والموت والغيرية والعبث، ولكن “ما يجعلها عملا فنيا وليست نظرية فلسفية هو أن الإنسان فيها يتحلى بخُلُق ويتحلى أيضا بمزاج” كما يقول بارت.

فريق ثالث ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فأمبرتو إيكو يشبّه قراءة رواية بلعبة شطرنج، وميشيل بيكار يتحدث عن النمذجة عن طريق تجربة من الواقع المتخيل، أي أن القارئ يجرب وضعيات لا يستطيع أن يعيشها في الواقع، فيما يرى فنسان جوف في قراءة الرواية مزاوجة بين عنصرين متمايزين هما اللعبة واللعِب، الأولى تنغرس في العقل وتستدعي ذكاء القارئ وقدرته على التكيّف والاستباق، والثاني يقوم على مماثلة شخصية متخيلة، يرحل معها حيثما رحلت، ويفترض احتمالات نهايتها مع المحافظة على حسّه النقدي.

وفي رأينا أن الانفعالات التي تعتري القارئ خلال القراءة، لها تأثير ليس على التأويل الذي يتأوله فقط بل على وجوده نفسه، وقد تلازمه صورة بعض الأبطال حتى لكأنه عاشرهم عن قرب. يقول يوسا “شخصيات أدبية متخيلة أثرت في حياتي بكيفية أطول أمدا من جانب هام من البشر الذين عرفتهم”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15