لماذا نكتب

الخميس 2015/03/19

عادة ما يُسأل الكتّاب والشعراء عن دوافع الكتابة لديهم، وغالبا ما تختلف الإجابات باختلاف المذاهب والمشارب والأمزجة. فهم، وإن كانوا يُجمِعون على أنّ الكتابة فعل ذاتيّ في المقام الأول، يأتيه الكاتب طوعا للتعبير عن موقفه من الحياة والنفس، يختلفون في ما عدا ذلك، ويذهبون في تفسير دوافعهم مذاهب شتّى.

فريق منهم يرى أنّ الواقع ليس جميلاً بما فيه الكفاية، وأنه يطمح إلى تغييره وإعادة تشكيله لجعله أجمل وأروع. وفريق ثانٍ يعتبر نفسه شاهدا على العصر، يؤرّخ لفترة أو مرحلة، وينقل للناس تفاصيل التاريخ المنسي، الذي يتغاضى عنه المؤرخون في العادة ويؤثرون عليه تاريخ العظام والغزاة والفاتحين.

وفريق ثالث يرى أنّ له من ثراء التجربة ما يجدر نشره بين الناس، لكي يُعمِلوا فيه البصائر، ويتّعظوا بالمصائر.

وفريق آخر لا يهمّه من مستجدّات الواقع أيّ شيء، يعتكف داخل بوتقة ضيّقة، ليتأمّل أسرار الكون، ويستقرئ مصير الإنسان في هذا الوجود.

ولا غروّ أنّه ثَمّة فئات أخرى لها دوافع غير التي ذكرنا، وهي في عمومها تتراوح بين الأفكار المعقّدة، والحقائق البسيطة. فهذا مثلاً بورخس، الكاتب الموسوعي الأرجنتيني، يعترف بأنه لا يكتب لتغيير العالم ولا لحل مشاكل الإنسانية، وإنما لكي يلطّف سير الزمن في انحداره المحتوم.

أما الأيرلندي صامويل بيكيت صاحب المسرحية الشهيرة “في انتظار غودو” والفائز بجائزة نوبل للعام 1969، فإنه يلخّص دافع الكتابة لديه بقوله “لا أصلُحُ إلا لذاك”.

في المقابل نجد من يرى في الكتابة تلبية لحاجة كما يقول لوكليزيو، المتوّج بنوبل للعام 2008، فهو يعرّف الكاتب بكونه شخصا يحاول أن يُفعِم إحساسا بالنقص قبل كل شيء، حيث يقول “الكاتب هو بلا ريب شخص لم يكتمل، لم يبلغ نهايته، ومن ثمّ يكتب لبلوغ تلك النهاية، ويجهد في البحث عن ذلك الكمال”.

فالكتابة في تصوّر لوكليزيو يمليها حافز داخلي قويّ هو الحاجة، ورغبة مطلقة هي الكمال. ولكن النشاط الأدبي لا يعزى دائما إلى دوافع بمثل هذا العمق، لأن الكتابة هي أيضا حرفة، نشاط اجتماعي، والذي يمارسها يبحث عن موقع له داخل المجتمع، من خلال تلبية تطلعات معينة.

وما كلُّ من حاول أفلح، بل ثمة من يخيب مسعاه، فيتحوّل إلى نشاط آخر يكسب منه عيشه (رامبو مثلا).

وثمّة أيضا من يلغي طموحه الأدبي ليصبح محترف إمتاع وتسلية، يؤلف كتابات تناسب الذوق العام، وتحظى بقبول الجماهير العريضة بهدف الربح المادي والمكانة الاجتماعية المرموقة.

كاتب تونسي مقيم بباريس

15