لماذا نكذب ونحن نتجمل

الاثنين 2015/12/28

نخلع على أنفسنا صفات ملائكية جوفاء حين نتحدث عن طفولتنا لأبنائنا، نتكلم بلسان الحكمة عن فترات طفولة تخلو بالطبع من المنطق والعقلانية وتلبس ثوب البراءة و”الشقاوة”، زمن “العفرتة” نذكره بكثير من الوقار، عن أنفسنا التي ما كانت أبدا كما نصفها.

أعنف ابني الأصغر زياد 8 سنوات (الصف الثاني الابتدائي) دائما قائلة، بمثل سنك كنت الأولى على المدرسة، وكنت أرتب غرفتي وحدي، أسمع كلام أمي، أساعدها في الأعمال المنزلية، لا أشاكس إخوتي الأكبر، باختصار اتحدث عن طفلة رائعة ومخلوقة خارقة لم أكنها يوما.

لم تغفر لي سلامة النية في إصلاح الصغير من انتقادي وتدبير مكيدة طفولية ماكرة من صغيري، حين قال لي: حتى تكونين قدوة رائعة يا أمي كما أنت دائما سأذهب لمدرستك الابتدائية لاستخراج شهادات تفوقك وأعلقها على حائط غرفتي لتكون دافعا لي للتفوق كلما نظرت إليها، حدقت بالصغير الذي كان يرمقني “بخبث” وبراءة الأطفال قطعا لا تجد مكانا لعينيه.

لحظات من الصمت لم يخرقها غير صوت “الماكر الأكبر” المسمى زوجي حين قال لا داعي للذهاب إلى المدرسة، فتنفست الصعداء وعادت دقات قلبي للانتظام قبل أن تبطئ الخطى تمهيدا لإصابتي بهبوط حاد جراء هذه الحرب النفسية، ثم أتبع، من المؤكد أن والدتك تحتفظ بمثل هذه الشهادات، فهي حصيلة عمر من التفوق.

يا للماكر. أسقط في يدي وأسعفتني حاسة الأمومة بالصراخ على هذا الصغير حتى لا يضيع وقته، ولكنه أصر.

آه ماذا لو فعلها الصغير؟ هدأت من روع نفسي، بالطبع لن يفعل، وربما سأل أمي عن طفولتي وهذا أخف وطأة إذا ما اتفقت معها على خطة.

كنت متفوقة ولكنني لم أكن الأفضل، كنت أشاكس إخوتي الأكبر واشتبك في معارك أخرج منها خاسرة بسبب مقولة “هم الأكبر”، كنت أفك سراح ضفائري وأطلق لشعري العنان ليطيره الهواء على أكتافي مثل نجمات السينما لتنهي أمي المشهد بدراما عنيفة.

أرسم في كراساتي بألوان الحلم فأتلقى “علقة ساخنة”، تصرخ أمي من تلون فساتيني ببقع لا فكاك منها، أعبث بغرفتي مثل كل الأطفال، أبعثر حاجاتي وأنا ألهو، اكتشفت بمزيد من التذكر الحقيقي المنطقي دون أن أخلع على نفسي صفات الملائكة أنني كنت طفلة مثل باقي الصغار، وكنت أتمرد على أوامر أمي، وحزم أبي، وطلب إخوتي الهدوء وأنا أحاور الصخب في خلوتهم فأحصل على نصيب مضاعف من العنف المجاني.

فلم أطالب الصغير بأن يكون هادئا، وديعا ومسالما، مثل الذي لم أكنه يوما ولكنني أطالبه إياه؟

يا لازدواجيتي وحماقاتي حين أنزع طفولة ابني برسم صورة مكذوبة لملاك عاقل لم أقاربه يوما ولم يسكن تمردي.

لست وحدي. فجميعنا يرتكب الخطأ نفسه حين نطالب أطفالنا بأشياء كنا ننكرها على آبائنا وأنفسنا، نطالبهم بأن يكونوا نسخا كربونية من ملائكة نرسم ملامحهم بإتقان ونستنسخ منهم نسخا مجانية نوزعها على أطفالنا معلقين أنانيتنا بحرمانهم من عبث عشناه واستمتعنا به على شماعة حسن النية.

21