لماذا نناهض عقوبة الإعدام

الاثنين 2015/06/01

“هبْ أنّ مجرما من عتاة المجرمين اختطف أولادك ووالديك وعذّبهم عذابا أليما، وبعد أن فرغ من تعذيبهم قطع شرايينهم وتركهم ينزفون ببطء شديد، وقبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة في آخر الجحيم أشعل النّار في أجسادهم، ثم ألقى بالرّماد في مجاري المياه. فهل تقبل له بأقلّ من الإعدام، وأن يُنفّذ الإعدام بأبشع الطرق؟”.

بمثل هذا النّوع من الأسئلة المثيرة للإحراج يواجهك أنصار عقوبة الإعدام. قد ترتبك بادئ الأمر وأنت تحاول العثور على الإجابة المناسبة.

وقد تضطرّ إلى بذل جهد وجداني جهيد لكي تحافظ على رباطة جأشك في موقف يثير في الإنسان أسوأ ما فيه من مشاعر الغيظ والحقد والغضب. وقد تفشل أخيرا في الاختبار.

غير أن المطلوب منك، بالأولى وبالأساس، ليس التفكير في الإجابة عن السؤال، وإنما التفكير في مشروعية السؤال، بمعنى مساءلة السؤال. وبهذا النحو سيرتفع اللبس ويصبح الاستنتاج واضحا جليا:

من وجهة نظر العدالة فإن ذلك السؤال غير مقبول شكلا ومضمونا، بل لعله مجرّد فخ ينصبه أولئك الذين يربطون العقاب بالغرائز.

إن مأسسة العقاب، وهذا واجب لا يجوز إغفاله، تعني تحرير العقاب من قبضة الغرائز البدائية للإنسان، غرائز الثأر والانتقام والحمية والغيرة إلخ.

بكل تأكيد فإنّ ذلك السّؤال الذي يلقى في وجهك حين تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام ليس أكثر من فخ يُقصد به إثارة أحط ما لديك من غرائز بدائية؛ لأنك حالما تصغي للسؤال، وتتفاعل معه قد تشعر مباشرة بأن لا شيء يشفي غليلك، غير أن يشنق المجرم أمام عينيك أو يحرق أو يخنق أو يُرمى من أعلى قمّة.

في كل الأحوال بوسعنا أن نواجه السؤال إياه بأسئلة اعتراضية كثيرة: مثلا، ما الذي سيحدث لو أننا جعلنا كل قاض يفترض بأنّه، أو بأنّ أحد أقاربه، ضحيّة المجرم الماثل أمامه قبل أن ينطق بالحكم؟ فبأي الغرائز سيصدر الحكم؟

ماذا لو جعلنا المشرع يتصور نفسه، دائما، كأنّه الضحية المحتملة، وأن الآخر هو المجرم المحتمل؟

أليست العدالة هي إمكانية التحرّر من كل غرائز الحمية والنّصرة والغيرة والثأر والانتقام؟

أليس هذا هو شرط وجود مؤسسة اسمها القضاء وبكل ما تعنيه كلمة المؤسسة من معنى؟

المطلوب عكس السؤال، شيء آخر، حتى لو كان الاعتداء على مشرّع القانون، أو الساهر على تطبيقه، ومهما بلغت بشاعة ذلك الاعتداء، فالمطلوب من المشرع ألا يشرع لنفسه، بل المطلوب منه أن يشرع لكافة الناس، والذين هم متساوون في هشاشتهم الأصلية أمام كل الاحتمالات الوجودية والوجدانية. إنّ القضية الجوهرية هنا، أن كل واحد منا قد يجد نفسه صدفة أو خطأ أو قدرا في موقع الضحية، كما قد يجد نفسه صدفة أو خطأ أو قدرا في موقع المجرم. تلك هشاشة الشّرط الإنساني.

هكذا نعيد طرح السؤال الآن، لماذا يجب علينا الوقوف ضدّ عقوبة الإعدام؟

هناك سبعة دواع تدعم هذا الموقف:

أولا، لأنّ تطـور الضمير الأخـلاقي للبشرية عمل على حصر نظام العقوبات في نطاق العقوبات السالبة للحرية، دون المساس بالحياة أو بتر الأعضاء أو تشويه الجسد.

ثانيا، لأنّ الإعدام، والذي تنفذه بعض الدول الإسلامية تحت مسمّى حد الردة، وعلينا ألا ننسى هذا، لا يجسد العدالة بأي حال، وإنما ينمي غرائز الثأر والانتقام البدائية في الإنسان.

ثالثا، لأنّ هامش الخطأ القضائي موجود في كل الحالات ومهما بلغت كفاءة القضاة، وحين تظهر معطيات جديدة يجب أن يعاد فتح ملف المحاكمة من جديد. وأما في حالة الإعدام فسيكون ظهور أي معطيات جديدة بلا جدوى.

رابعا، لأنّ شبح الإعدام قد يدفع المتهم الهارب من قبضة العدالة إلى أن يقاتل حتى الموت، ما يتسبب في جرائم إضافية.

خامسا، لأنّ الإعدام، لا سيما في غياب نزاهة القضاء، يصبح أهم وسيلة للقتل باسم القانون.

سادسا، لأنّ هناك مبدأ حديثا يقوم على أساس المسؤولية المشتركة، بحيث من باب الإنصاف أن يتقاسم المجتمع بأكمله نسبة ولو ضئيلة من المسؤولية الجنائية مع الجاني.

سابعا، لأنّ الموت الذي هو قدرنا الطبيعي ليس عقابا، وليس معقولا إدراجه ضمن لائحة العقوبات.

أما بعد، فإنّ قيم الحداثة والتمدّن والعقلانية تدفعنا إلى الوقوف ضدّ عقوبة الإعدام بلا قيد ولا شرط ولا أي استثناء.

كاتب مغربي

8