لماذا نهتم بما يقوله الناس عنا

تنتابنا الكثير من مشاعر الخجل والحرج عندما نقدم، بغير قصد، على ارتكاب بعض الأخطاء التي لا ترتقي إلى مستوى توقعات الآخرين أو تنتهك بعض قواعد الأخلاق أو الأعراف بمستويات معينة، فقد نتصرف بعدم كياسة في موقف اجتماعي معين، نتحدث بسوء عن أحد ما فنصطدم بوجوده في مكان قريب يمكنه من الاستماع إلى المحاور، وقد يغش تلميذ في امتحان فيفتضح أمره أو ينم عنه سلوك مخجل على مرأى ومسمع من زملائه أو أساتذته.
الأربعاء 2016/03/09
الإحساس بالذنب يتفوق على الإحساس بالخجل

إن الشعور بالحرج ليس بالتجربة السارة لكنه من وجهة نظر متخصصين ينطوي على بعض الفائدة؛ حيث تشير الدراسات إلى أن هذا الشعور يجعلنا أكثر حذرا ومراعاة للآخرين وربما يكون هذا دافعا لتصحيح خطأ حدث في الماضي عن غير قصد، ما يعني بأننا نكترث حقا لما قد يتصوره الآخرون عنا.

ويرى الدكتور راج هونتان أستاذ التسويق والعلاقات العامة في مدرسة ماك كومبس لإدارة الأعمال في جامعة تكساس – أوستن الأميركية، أن الإحساس بالذنب قد يتفوق على الإحساس بالخجل لدى البعض الذين يقيّمون ردود أفعال الناس على قصورهم أو أدائهم السلبي بشكل مبالغ فيه، والنتيجة المترتبة على ذلك هي شعور مضاعف بالعجز عن تلافي أخطاء ممكنة، إذ أن جلد الذات بصورة مبالغ فيها العدو الأول للتلقائية في السلوك والعلاقات مع الآخرين، فمتى تحررنا من هذا النقد الذاتي سيكون بإمكاننا تجاوز أي مشاعر سواء أكانت خجلا أو حرجا أو قلقا.

وينصح هونتان الناس الذين تزعجهم توقعات الآخرين عنهم، بألا يربطوا ذلك بمدى متانة علاقاتهم الاجتماعية، لأن السعادة في الغالب تعتمد على عمق هذه الروابط ولأن العلاقات الاجتماعية ليست ترفا بل ضرورة لحياتنا، حيث تعتمد معظم فعالياتنا اليومية على عنصر المشاركة مع الآخرين، ومن هذا المنطلق ينبع قلقنا ورغبتنا في أن نظهر أمامهم بأبهى صورنا وعدم رغبتنا في فقدان هذه الروابط، ولهذا السبب تحديدا فإن قلقنا يمكن أن يوفر فوائد عدة فيجعلنا نراقب سلوكنا وحديثنا رغبة في تمتين هذه العلاقات. إلا أن المبالغة في مشاعر الخجل والقلق من شأنها أن تضاعف الشعور بعدم الأمان وهذا ما يدفع بالآخرين بعيدا عنا، ويجعلنا ندور في حلقة مفرغة تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان احترام الذات والاغتراب الاجتماعي والعزلة.

من جانب آخر، فإن بعض الأشخاص يميلون إلى تقييم الناس بصورة سلبية مهما بذلوا من جهد ليكونوا عطوفين ومحبين، وهذا بالطبع لا علاقة له بقصور في السلوك أو الشخصية بل ينبع من الطبيعة السلبية لبعض الأشخاص الذين يقيمون الآخرين اعتمادا على مقاييس ذاتية لا علاقة لها بالمنطق، وبالتعرف إلى هؤلاء ودوافعهم يمكننا أن نتجنب الشعور بالقلق الدائم رغبة منا في إرضائهم.

بعض الأشخاص يميلون إلى تقييم الناس بصورة سلبية مهما بذلوا من جهد ليكونوا عطوفين ومحبين

وهناك أيضا بعض الأشخاص الذين تكون عملية التفاعل الاجتماعي معهم تجربة غير سارة بسبب إحساسهم بالتفوق والرفعة على الآخرين، الأمر الذي يعزز الشعور بالإحباط والغضب لدى المتلقي خاصة إذا اعتادوا التعبير عن أنفسهم بإطلاق كلمات نقد لاذعة، لهذا فإن التواصل معهم بمثابة العقاب النفسي الذي يترك آثار نفسية في الروح وإحساسا مزعجا بالذنب، هذه المرة يتولد الإحساس بالذنب بسبب عدم قدرتنا على رد الكلام الجارح بما يتناسب مع حدته ووقاحة الشخص الذي تفوه به.

نينا جورج براون، الباحثة النفسية والأستاذة في جامعة أولد دومينون في ولاية فيرجينيا الأميركية، تؤكد أنه في الإمكان تلافي التأثير السلبي الذي يتركه فينا التعامل مع هؤلاء الناس (الأشرار)، وذلك باتباع بعض التقنيات السلوكية الدفاعية لحماية الذات ولكي نمنع هؤلاء من التسلط على مشاعرنا وتمرير رسائل كراهيتهم لنا.

بعض ردود الأفعال الدفاعية يمكن أن تكون بتجاهل الرسالة أو التعليق أو الادعاء باللامبالاة وربما بمجاملة المتحدث، بطريقة تجعله يتحرج من تصرفه وذلك بتمرير الشعور بالخجل والذنب لتصبح مشاعره هو الخاصة. في حين، يفضل البعض الآخر تغيير اتجاه الحديث أو إشراك آخرين في الحوار أو لفت انتباههم إلى موضوع أكثر أهمية، فهو يفضل أسلوب الانسحاب من الموقف وتجنب المواجهة والشعور بالألم، خاصة إذا كان النقد موجه له مباشرة مع وجود الغرباء.

هذا في ما يتعلق بالسلوك المباشر الذي يتبع توجيه النقد، إلا أن براون تجد في ترويض المشاعر السلبية طريقة مثلى لمنع هذا الشخص من تكرار محاولاته، وتسميها بعملية “العزل العاطفي”، وهي إجراء يتعلق بالمشاعر بالدرجة الأولى حيث توضع حواجز وجدران نفسية أشبه بمظلات شفافة تمنع عنا رؤية مثل هؤلاء، فيصبح وجودهم حتى وإن كان متحققا ماديا لا أثر له، هذه الحواجز النفسية قد تحقق غرضها بأسرع مما نتوقع، فمثل هذه الرسائل تصل إلى الطرف الثاني بصورة غير مباشرة ولكن بقوة وتصميم.

لكن ما يبدو مهماً في هذه الحالة، هو عدم استخدام اللياقة في اختيار الرد المناسب على تهكم وانتقاد هؤلاء الأشخاص، فأقصى ما يمكن أن يحدث هو خسارة هذه العلاقة، ولعله الخيار الأمثل والأكثر منطقية.

21