"لماذا هم ملحدون؟".. هل طرحنا على أنفسنا هذا السؤال

الإلحاد لم يكن يوما من الأيام فكرة وجودية طرأت فجأة وخرجت من العدم تتحسس طريقها في بدايات القرون الأخيرة حتى تعلن الحرب عليها ويجرم أصحابها.
الخميس 2018/04/05
ابن رشد شاهد على تاريخ الفكر الحر

في عام 1937 نشر الفيلسوف إسماعيل أدهم مقالا في مجلة الإمام بعنوان “لماذا أنا ملحد”، يتحدث فيه عن حججه في عدم وجود إله، فرد عليه الكاتب أحمد زكي أبوشادي برسالة “لماذا أنا مؤمن”، ثم وجّه له الشيخ محمد فريد وجدي ممثلا عن الأزهر وفي مجلته الرسمية، رسالة بعنوان “لماذا هو ملحد”، يقارعه بالحجة، بدأ فيها المقال قائلا “إلى الأستاذ العزيز الدكتور إسماعيل أدهم..”.

مع بداية القرن الماضي، دارت مناظرات وخلافات شغلت عقول المجتمع المصري، والعربي عموما بين أروقة الصحف، التي كانت بمثابة فيسبوك ذلك العصر، حول العقائد ومصدر الكون وحقيقة الإله. فخرج الإمام محمد عبده والمفكر فرح أنطون والشيخ رشيد رضا يحاورون الفيلسوف الطبيب شبلي شميل الذي عُد ملحدا يؤمن بالمادية دون الإله.

ونشرت المقالات وامتلأت صفحات الصحف بأحاديث عن الإلحاد في بلد مثل مصر طالما كان ولا يزال يوصُف أهلها بأنهم متدينون بالفطرة.

والغريب والملفت أنه لم يسجن أحد ولم تصادر مجلة ولم يسحب كتاب من السوق ولم يعاقب صاحب مجلة بتهمة ازدراء الأديان.

وأيقن المفكرون المؤيدون للدين والمحبون له منذ زمن بعيد أن المسائل العقائدية لا تقنن ولا تفرض، إنما تناقش ويتباحث فيها الناس للوصول لأرض صلبة تقف عليها كافة الأطراف منتهجة التسامح وسيلة لتلك الرؤى.

وقبل أكثر من 100 عام من الآن، كان المجتمع أكثر تسامحا وأقل تطرفا وأعمق فكرا ومقبلا على الجدال والمناقشة، بل وكان مناخ الحرية الذي شهد هذا الجدال مثالا يحتذى به ليس في أوروبا وحدها التي كانت قد قطعت أشواطا في تعزيز قيمة الحرية في أعين مواطنيها بل في بلاد كان الدين منارة فيها.

فزع الناس في هذه الأيام أو ادعوا الفزع، وخرجوا يسعون صارخين بضرورة مواجهة موجات الإلحاد النشطة القادمة من بلاد بعيدة.

ويقولون “الخمر أصبح معتادا والتطاول على الإله أصبح مقبولا، هجرت المساجد من شبابها وخلعت البنات حجابهن وتفاخر الرجال بفلسفتهم الوجودية، تحدث البعض عن ذلك الرب الغائب التارك عباده في بلاد غاب فيها العدل واعتاد أهلها الظلم.

وأطلق شباب متمردون أسئلة وجودية معتادة طالما قالها الملحدون، بينما بقي آخرون متقوقعين في تساؤلات أربكت عقولهم، يبحثون عن إجابات منصفة وحق في المعرفة، إلا أنهم لم يجدوا سوى عنف وتأنيب وأحيانا تكفير لمجرد طرح أسئلة”، وهو ما من شأنه أن يزيد من عزلتهم ويجعل حيرتهم تتكاثر وتتفاقم.

وترك مفكرون ومحللون البحث عن إجابات الشباب الهائم بحثا عن نفسه، وخرجوا تارة يلومون الجماعات الإسلامية المتطرفة على انخراطها في السياسة وجنود التطرف والإرهاب الذين انطلقوا ذبحا وقطعا للرؤوس، وتارة أخرى يحذرون من عبث الأيادي الخارجية المدمرة والمؤامرات الصهيو-أميركية الخبيثة التي ترغب بالعصف بشباب الإسلام وأمته.

ومؤخرا أطلقت الحكومة المصرية حملة لمكافحة الإلحاد بين الشباب وهي لا تعرف عن الشباب شيئا، ولم تستند إلى معطيات وأعد البرلمان قانونا لتجريمه والبطش بالملحدين، وحذر شيوخ التشدد بأن الويل للكافرين المرتدين وتحاكى الناس عن مذابح جماعية ومحاكم تفتيش شرعية لاقتلاع الإلحاد من جذوره.

 

الإلحاد والإساءة إلى الدين وتشويه الإسلام والمسلمين، تهم بات يتراشق بها المسلمون في ما بينهم، وتستخدمها أوساط إسلامية تحسب نفسها على الفكر والثقافة بغرض الإمعان في ممارسة عقلية الإقصاء وكسب الامتيازات السياسية عبر تجييش العامة والبسطاء ضد النخب الثقافية الطليعية كي يسود الفكر الظلامي الذي يمكن أصحابه من الهيمنة والاستمرار. وتكفي نظرة إلى منتصف القرن الماضي، وما صاحبه من سجالات فكرية اتسمت بالحوار المتمدن، كي يأسف المرء على ما آلت إليه الأحوال في العالمين العربي والإسلامي، وذلك بسبب تفشي العقيدة التكفيرية القائمة على العنف والإقصاء.

ولم يقرأ أحد من هؤلاء سطرا واحدا في كتاب تاريخ أو فلسفة أو عقيدة، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة إرهاق النفس في سبيل  البحث في أخلاقيات الدين السمحة وقواعد الإيمان والتسليم.

ويقول أهل العلم إن الإيمان يزيد وينقص بطبيعة الأحوال المتقلبة للنفس البشرية، وهذا هو حال البشر والشاهد عليه تاريخه عبر التاريخ، فلم يكن الإلحاد يوما من الأيام فكرة وجودية طرأت فجأة وخرجت من العدم تتحسس طريقها في بدايات القرون الأخيرة حتى تعلن الحرب عليها ويجرم أصحابها. ففي كل عصر طرحت أفكار البحث عن الإله بداية من فلسفة الإغريق ومرورا بالرومان وفي قلب حضارة الإسلام ومن بعدها صراعات الدين والسياسة في عصور النهضة الأوروبية.

والدعوة للتأمل والبحث عن الله في القلوب قبل الوجود عبادة حثنا الله عليها منذ أن أنشأ الخليقة. فماذا لو لم يبحث النبي إبراهيم عن خالق الكون، تارة يسأل القمر وأخرى الشمس باحثا عن الله حتى علم أنه أكبر وأعظم وأشمل.

ودائما ما كانت الصراعات العقائدية موضوعا شائكا في كل عصر، له من يعارضه ومن يدافع عنه، فمنذ القرون الهجرية الأولى مرورا بنقاشات كتب “تهافت الفلاسفة” لإمام عصره أبي حامد الغزالي، ومناحرته برد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد في كتاب “تهافت التهافت”، اتفق العلماء الكبار على أن حل النزاعات العقائدية لا يكون إلا بقدرة العقل على استمالة الشاك والملحد، إيمانا بأن العقل حجة الله على الخلق وطريق الإقناع والإيمان معا.

ولم يشن علماء الدين حملات للحكم بردة هؤلاء، ولم يطالبوا بمنع كتاباتهم، بل حاوروهم بالفكر والفلسفة والبرهان وبأدب جم ولغة هادئة.

ولما أتى “الإسلام السياسي” سطا بجماعته وأيديولوجيته على العقول، كفّر المجتمعات وحارب الحريات، فران الجمود على العقل الإسلامي، ونشأت أجيال على الاستبداد والدكتاتورية والخوف من الآخر ورفض التعددية العقائدية والفكرية، فقتل المفكر فرج فودة، وتلقى نجيب محفوظ طعنة سكين من شاب لم يقرأ حرفا له، وفرقت المحاكم بين المفكر نصر أبوزيد صاحب “التفكير في زمن التكفير” وبين زوجته، في التسعينات ومطلع الألفية.

ولأسباب تحتاج لمقالات وكتب، كفر الناس بما آمنوا به، وخرجوا باحثين عن نفوسهم الضالة الحائرة، وآخرون آمنوا حقا بالوجودية المادية، ولكن في كلتا الحالتين لم يجد أحد اليد الممتدة لتقديم العون والمساعدة ولم يبحث أحد عما يدور في بالهم.

ولم يكفر البعض بالدين فقط بل كفر برجال الدين أصحاب اللحى الطويلة والابتسامات العريضة، ولم يعد الشاب يستطيع أن يفرق بين شيخ أفّاق وإمام صادق. وإن كان أحد يرغب في إصلاح أو هداية، في نقاش أو حوار، فالتسامح هو كلمة السر.

وفي النهاية على الشباب أن يبحثوا في ما بينهم لينجوا بأنفسهم من تلك المنطقة الرمادية بحثا عن النفس الحائرة المحبة للدين ووجوده، ووقتها سيكون الدين أقوى وأعمق من قانون يفرضه أو يد باطشة تحكمه.

13