لماذا وأين العلة وكيف المخرج

الخميس 2014/07/17

إنّ الوحدة والخلوة تدفعان إلى كثير التفكير، وطويل التّأمّل، وإلى مناجاة النّفس واجترار الآلام والأحزان. والغريب مثلي تكثر وحدته ويطول تأمّله، خاصّة في ما تركه خلفه من مراتع الصّبى، وربوع الأحبّة، وآثار الأوطان والحنين لأهلها. كنت قبل أيّام في مثل هذه الحالات، أتعامل أو أتصارع مع أفكار وتساؤلات، أكثرها ضغطا على تفكيري هي شكاوى وتذمّرات مواطنيَّ في جميع أقطار ما أعتبره وطني الكبير.

سنون وعقود والمواطنون العرب، على مختلف مستوياتهم الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، مترفين كانوا أو معوزين، مسيسين أو غير مسيسين، لا يسمع منهم إلا الأسف والحسرة “والتألم” لما تمرّ به بلداننا وما تقاسيه من ظلم وآلام وضياع حقوق وتدهور في جميع المجالات، وتأخّر وقعود. يشتكي الجميع ويتذمّر ويتساءل: لماذا نحن في ما نحن فيه؟ وما الذي دهانا حتى نصير إلى ما نحن فيه؟ نتحمله ونقاسيه، ونعاني ويلاته ومساويه، دون حراك متعقل منا نأتيه، لنخرج مما وقعنا فيه؟ أعجبني وشدني صدق هذا السؤال، فجعلت “أضرب أخماسي في أسداسي”، حسب المقولة الشعبية التونسية، فجعلت أبحث عن سبب أو أسباب ما أصابنا، فهد كياننا، وعرقل أعمالنا، لما فيه خيرنا والصلاح.

بينما أنا غارق في أعماق جب التفكير والبحث، إذا بجرس الهاتف يُصحيني فيكسر سلسلة أفكاري فتبعثرت حلقاتها، فأسرعت إلى الجهاز الثابت في ركنه ورفعت السماعة، وإذا به صديق غريب مثلي، في بلد آخر من بلدان ما نسميهم نصارى، وبعضنا يقول “الرُّواما”، أراد تهنئتي بشهر رمضان المعظم.

تبادلنا التهاني وأحسن الأماني، ثم جعلنا نتبادل الأخبار والمعلومات، عما يهمنا ويحيط بنا. تحت تأثير ما كنت فيه من تدبر وحيرة وبحث، وجهت محادثتنا وجهة أرضاها، عساي أجد ما يساعد على حل اللغز الذي، إن وجدناه وأزحناه، خرجنا من مأساتنا، وانطلقنا نحو آفاق، جميعُنا يتمنّاها ويحلم ببلوغها. لكن ما علمته من صديقي عن تصرفات وسلوك الذين يعيش بين ظهرانيهم، زادني غما على غمي، فنَمَت حيرتي وتضاعفت رغبتي في معرفة الأسباب التي أبحث عنها. قال صديقي، أن في الحي الشعبي الذي يقطنه، كنيسة صغيرة، جاءهم القس المسؤول عنها يوم أول رمضان، معتذرا عن التأخير، ومبلغا أنه يعلم قيامهم وصلاتهم ليالي رمضان، لذا خصص لهم بالكنيسة فضاء لأداء فرائضهم وتراويحهم. تعجبت طبعا واستغربت، لا لاقتراح القس وسلوكه لأني أعرف من هذا الكثير، بل لظرف وزمن هذا التصرف.

لكن صديقي استمر يقص علي من أشباه هذا السلوك أمثلة وحالات، مذكرا، أن البلاد تأوي مهاجرين ينتمون إلى كل، أو معظم ديانات العالم، وجميعهم يلقى نفس التقدير والاحترام والحرية. وكما لو لم يكن ما قاله كافيا ليزيد في حيرتي، قال إن المتاجر والأسواق أعلنت وتعلن، من قبل حلول الشهر المبارك، عن تخفيضات هامة في أسعار مستهلكات الشهر العظيم، لأنها، حسب إشهارها تعلم قيمته وحاجيّاته بالنسبة للمؤمنين بدينه. يا للسخرية، عكس ما يجري في بلداننا الإسلامية، حيث تحتكر المواد قبل حلول الشهر، ثم تعرض بزيادة في أسعارها.

استمر صديقي يسرد علي أحواله وأحوال أمثاله، بينما تاه خيالي في تلك البلاد، وفي التي أنا مقيم بها، وفي غيرها مما عرفت أو قيل لي عنها، فشع نور في بصيرتي ألهمني الجواب عن السؤال المطروح واللغز المبهم، فتعجبت من قربه منا، ومن عماء بصيرتنا وبصرنا فلا نراه، بينما هو فينا وفي أنفسنا وسلوكنا. أي نعم، شكونا وتذمرنا ورمينا بالتبعية على الغير، مع أن العلة والسبب والجرثوم الذي أتانا بالوباء الذي نحن فيه، هو نحن أنفسنا. سلوكنا الفردي والجماعي، تصرفنا في كلّ المجالات والقطاعات، تعاملنا في ما بيننا ومع الغير، بعدنا عن العقلنة والتبصر، مواجهة الأمور الجماعية فرادى، تصديق الكاذب وكذبه عند الفائدة، الفردية وعدم توافر الجهود، هذا علاوة على الغش والتحايل، وفرض الرأي وعدم التسامح، والإكراه في كل شيء، وبعبارة مختصرة، تركنا لكل تعاليم ديننا الحنيف، وقواعد الأخلاق الموضوعة، حتّى أصبح لكل فرد منا دينه ومذهبه وقوانينه وطرقه وأساليبه، ومن خالفه فيها يصبح العدو أو الخصم الذي تجب مقاومته، وفوق هذا وذاك، لا نفكر أبدا ولا نجرأ على انتقاد أنفسنا، فإما المدح والثّناء، وإلا فلا، كما لو كنا معصومين.

التفت، بعد الاقتناع بهذه الأسباب، نحو قوم آخرين، فوجدت أنهم، آمنوا بدين أو لم يؤمنوا، يتبعون جميعهم قوانين هي أسس الأخلاق والمعاملة وحسن السلوك، وهو ما ضمن لهم التعايش والازدهار والتنمية والتقدم المستمر في أمن وسلام. سلام، رغم أن ماضيهم القريب والبعيد، مليء بالحروب والمشاحنات والمصادمات، لكنّهم اتعظوا واعتبروا، ففهموا أنها لا توصلهم إلى ما هم باحثون عنه، فتركوها واعتنقوا فلسفة الحوار والتفاوض والصدق في القول والعمل، مع الوفاء في الوعد والعهد، واحترام حق الآخر، معتبرين أن حق الفرد ينتهي حيث يبدأ حق غيره، وأن لكل اختصاصه، فلا يتدخل أحد في ما ليس له به علم.

لم أشر، عمدا، لا من بعيد ولا من قريب، إلى السياسة، لأنها وأهلها ليست سوى مرآة تعكس صورة المجتمع بحسناته وسيئاته. حسنات ضاع منا جلها، كانت ركيزة من ركائز ثقافتنا وسلوكنا، بها سدنا العالم، كما يسود بها اليوم الآخرون. حسنات أوصانا بها ديننا الذي يأمرنا فيقول اعبدوا ربكم وافعلوا الخير، وهذا التزام وتكامل بين الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملات. أليس من واجبنا انتقاد أنفسنا لإصلاحها فتصلح أمورنا، وتركنا إلقاء التبعية على الغير؟ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9