لماذا يتجاهل الغرب الفن العربي

الأحد 2014/12/07

قبل أنّ تشن الولايات المتحدة الأميركية والدول الحليفة لها الحربَ على العراق حاولت تغييب الجانب الثقافي والحضاري للبلد وطمسه بشتّى السبل، فصوّرت البلد وكأنه مجرد صحراء نفطية كبرى وقد استولى عليها طاغية غير مأمون الجانب. فنجحت الدعاية الأميركية في التأثير على الرأي العام العالمي وسهّلت عملية احتلال العراق وتدميره ثقافياً بالدرجة الأولى. وفسحت الإدارة الأميركية المجال واسعاً أمام المخربين ومهرّبي الآثار والأعمال الفنية لينهبوا الثروة الثقافية للبلد المدمر والمحاصر اقتصادياً وسياسياً منذ مطلع التسعينات. فأُحرقت المكتبات العامة ونُهبت محتويات المتحف العراقي واختارت القوّات الأميركية منطقة آثار بابل مقراً رئيسياً لها.

وإذا ما نظرنا إلى سياسة التهميش والإقصاء المتعمّد للميراث الثقافي العربي وألقينا نظرة على طبيعة تعامل المؤسسات الثقافية الغربية مع الثقافة والفنّ العربيين فإننا سنكتشف حجم التجاهل، بل والكراهية المبيتة للفنّ العربي المعاصر خاصةً، لأنّه يشكل الوجه الحضاري للعرب اليوم، المغاير تماماً للصورة السائدة عنهم اليوم. فقد زرت خلال الأعوام الماضية عدداً كبيراً من المتاحف والمعارض العالمية في برلين ولندن وباريس وروما وأمستردام ومدريد وفيينا ونيويورك وكوبنهاغن وأوسلو، لكنّني لم أعثر على أثر فنّي عربيّ واحد، على الرغم من وجود مئات الفنانين المعاصرين الذين تتمتع أعمالهم بقيمة فنيّة عالية لا تقلّ عن المستوى الذي وصل إليه الفنّ العالمي المعاصر. وكلّما زرت مكتبة فنيّة تابعة لمتحف شعرت بالإحباط والحزن بسبب خلوها التام من أيّ كتاب مصوّر لفنان عربي. لكننا نرى العالم برمته منهمكاً بإقامة المعارض لفنانين أحياء مثل الصيني آي واي واي والبريطاني داميان هيرست والألمان جورج بازليتس وغيرهارد ريشتر وأنسلم كيفر وغيرهم، وذلك في كبريات صالات العرض. فتطبع لهم كتب مصورة وكتالوغات تفصيلية تتحدث عن أعمالهم، وتصدر عن كبريات دور النشر الأوروبية وفي ورق فاخر؛ بينما لا نكاد نرى معرضاً واحداً لفنّان عربي حتى وإن كان من طراز محمود سعيد ومحمّد ناجي ومحمود مختار المصريين ومحمود حمّاد ورشاد قصيباتي وفاتح المدرس السوريين وجواد سليم وفائق حسن وخالد الرحّال العراقيين على سبيل المثال. وهناك بالطبع كتب مصورة تتحدث عن المعمارية العراقية الشهيرة زها حديد، وبضعة كتب تتناول أعمال المعماري المصري الشهير حسن فتحي، لكنّها اختفت في الواقع من السوق في الفترة الأخيرة، مقابل مئات الكتب المصورة وفخمة الطباعة التي تتحدث عن الحضارة الفرعونية وعشرات الكتب التي تتحدث عن الحضارات العراقية القديمة. وهناك كتاب واحد يتناول الحركة السوريالية المصرية للباحث الفرنسي جان جاك لوتي والذي ترجمه الكاتب المصري بشير السباعي إلى اللغة العربية. وثمّة كتالوغ كبير عن الأعمال الفنية المبكرة للفنّان السوري مروان قصّاب باشي، وذلك بعد خمسين عاماً من الإقامة في مدينة برلين، وكتاب آخر عن “منبر صلاح الدين” و”المزّات السورية”، وهذه كلّها باللغة الألمانية.

لكن لماذا هذا الإعراض والتجاهل؟

بالطبع هناك نشاط ثقافي عربي-غربي حثيث ومتواصل، وهناك أعمال فنيّة تباع الآن في أسواق الفنّ العالمية بمئات الآلاف من الدولارات، ووصل سعر لوحة لفنّان عربي شاب نحو مليوني دولار، وهذا يعني بأنّ الفنّ العربي الحديث وصل إلى مصاف العالمية، من حيث السعر على الأقل. بيد أنّ معظم هذه النشاطات والمبيعات تقوم عادة على أساس نفعيّ وفرديّ، وليس بشكل منهجيّ وعلميّ نزيه، إنما يقوم ممثلو بعض المؤسسات والمتاحف الرسمية الأوروبية بزيارات إلى البلدان العربية، وخاصةً منطقة الخليج، للترويج لهذا الفنّان أو ذاك والانتفاع الشخصي من هذه العلاقات مثل تعيين ابن هذا المسؤول الأوروبي أو ابنته في إحدى المؤسسات الثقافية العربية.

وأسرّ لي أحد العاملين في الحقل الثقافي الألماني بأنّ أحد وزراء الثقافة في ألمانيا كان ينظر إليه بشكّ وبرود يصل إلى حدّ الاحتقار كما لو أّنه يعمل مع أشخاص متورطين بأعمال إرهابية، وليس مع مثقفين عرب. ويشير هذا السلوك الغريب إزاء الفنّ العربي المعاصر إلى وجود مؤسسات ثقافية ودور نشر معينة تعمل بدقّة متناهية، ونجاح للأسف الشديد، على إقصاء العرب من مسرح الفنّ العالمي والنظر إليهم باعتبارهم أناساً قادمين من الفيافي والصحارى ولا همّ لهم سوى بيع النفط وركوب الإبل وتنفيذ الأعمال الإرهابية. وإذا ما أصبحوا في حاجة ماسة لتمويه هذا الموقف الأيديولوجي وإخفاء أغراضهم فإنهم يصنعون على عجل فنّاناً أو كاتباً في ورش عملهم، لكنهم سرعان ما يحوّلونه إلى مشروع انتقاميّ من العرب أنفسهم، وليس إلى طرف حوار أو شريك في ثقافة إنسانية عامة. فتراهم يحطون من سمعة العرب الفكرية والثقافية في وسائل الإعلام التي يشرفون عليها، باستثناء بعض الكتّاب والفنانين الذين يحظون بالقبول والتأييد من قبل أطراف معينة متنفّذة. وتستند سياسة الإقصاء وتشويه سمعة الثقافة العربية إلى أرضية الصراع العربي الإسرائيلي بشكل كبير. فإنّك ستصبح فناناً أو كاتباً “كبيراً” إذا ما أضحيت جزءاً من منظومتهم الفكرية واستأثرت باهتمام دوائرهم ونفّذت المهمة الموكلة إليك والموقوفة على الدفاع عن ثقافتهم والهجوم على ثقافتك العربية.


كاتب من العراق مقيم في برلين

11