لماذا يتجنّب اليسار التونسي ملف الحريات

رهانات الانتخابات تعمق أزمة اليساريين، والأيادي المرتعشة لا تصنع ثورة الحريات.
السبت 2018/07/28
تونس التواقة للمدنية

تونس - بنفس الجدل الذي عاشت على وقعه تونس تقريبا عقب السنوات الأولى التي تلت ثورة يناير 2011، بشأن النظام المجتمعي وملف الحريات الفردية والعامة، أعاد تقرير أصدرته لجنة الحريات الفردية والمساواة بطرحه مقترحات تصب في خانة تكريس مبادئ دستور الجمهورية الثانية الذي تمت المصادقة عليه في العام 2014، الجدل والصراع بين الأطراف السياسية في البلاد وتحديدا بين الإسلاميين والعلمانيين واليساريين، ليوظف وفق كل الملاحظين كل طرف حزبي ملف الحريات لغايات انتخابية.

ورغم أن تركيبة اللجنة التي ترأستها النائبة بالبرلمان بشرى بالحاج حميدة، كانت متكونة من مختلف الحساسيات السياسية والفكرية، إلاّ نتائج التقرير الذي يعد وفق الملاحظين الدوليين أو منظمات المجتمع المدني في تونس من أهم المراجع العربية التي تهدف إلى إرساء مبدأ الدولة المدنية، جوبهت واصطدمت برفض شريحة واسعة من المجتمع التونسي.

لعنة الانتخابات تطارد اليسار

جوبه أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة بحملات تكفير شملت بشرى بالحاج حميدة أو صلاح الدين الجورشي (كاتب صحافي وإسلامي سابق) اللذين تم تكفيرهما ونعتهما بأبشع النعوت لمجرّد إقرارهما وتشبثهما بأن ما ورد في التقرير لا يتنافى مع المبادئ العامة للدين الإسلامي كالمساواة في الميراث أو الحريات الجنسية أو حق الأم في منح لقبها لابنها أو منح المرأة التونسية الزواج بالأجنبي غير المسلم.

ويعتبر الكثير من المراقبين أن الجدل الدائر حاليا في تونس بشأن تقرير الحريات الفردية والمساواة، لم يعد متعلّقا فحسب بالأطراف الإسلامية المرتكزة في كل أدبياتها على “الشريعة”، بل بالأحزاب اليسارية التي باتت تُتهم بالتنصّل من الخوض في المسألة توجسا من مغبة اتهامها بالكفر والإلحاد أو لحسابات سياسية، بحسب البعض، ولذلك باتت لا تصدح بمواقف قوية حيال المسألة لتقتصر على  تذييل بعض بياناتها السياسية المتمحورة في معظمها حول تقييم الوضع العام بعبارات تنادي إلى فرض منطق الدولة المدنية.

ما أفسد الحياة السياسية في تونس هو انخراط كل الأطراف السياسية في حسابات سياسيوية ضيّقة لا تعبّر بالنهاية عن التوجه العام لأدبياتها بقدر ما هي إرضاء لما تريد العامة المخدوعة

ولئن تعدّ تجارب اليسار التونسي متقدّمة مقارنة بدول عربية أخرى، إذ ترجع أولى المحاولات والتشكيلات السياسية اليسارية التونسية إلى العام 1920 الذي تأسس فيه الحزب الشيوعي التونسي (حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي حاليا)، إلا أنّها وفق كل المراقبين انخرطت في سياسة المهادنة الرافضة للإعلاء من شأن الحريات أو التفكير بصوت عال عند الخوض في الإشكاليات المجتمعية وفي مقدّمتها الحريات التي تعتبر وفق كل منظّري اليسار من كارل ماركس إلى فلاديمير لينين حاجات ضرورية وكونية لا تمكن  تجزئتها.

وقالت بشرى بالحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة، في تصريح لـ”العرب” إن مسألة الحريات لا تهم فقط اليسار بل تشمل كل أطياف المجتمع التونسي التائق منذ قرون إلى الحرية، مستحضرة السبق التونسي بإلغاء العبودية في عام 1846 حتى قبل الولايات المتحدة الأميركية.

وأفادت بأن مواقف بعض الأحزاب اليسارية، وفي مقدّمتها على سبيل الذكر لا الحصر الجبهة الشعبية (تجمع أحزابا يسارية) بشأن ملف الحريات الذي وصلت الاتهامات الموجهة إليها حدّ التكفير على صفحات التواصل الاجتماعي محتشمة للغاية.

وأرجعت بالحاج حميدة هذه المواقف الضعيفة إلى حسابات سياسية ضيّقة لا تخرج في مفاهيمها ومقاصدها عن ترتيبات وتكتيكات انتخابية صرفة، داعية كل الأحزاب التقدّمية واليسارية إلى الذود والدفاع عن النمط المجتمعي التونسي المتأصّل والمبني على خلطة عجيبة بين الحداثة والأصالة بلا ارتعاش متأت بصفه عامة من  حسابات سياسية أو انتخابية.

يوسف الصديق: الحريات ليست دينية بقدر ما هي شأن بشري لا تخرج دوائره عن وجوب وجود إرادة جماعية في المضي قدما لتكريسها وترسيخها
يوسف الصديق: الحريات ليست دينية بقدر ما هي شأن بشري لا تخرج دوائره عن وجوب وجود إرادة جماعية في المضي قدما لتكريسها وترسيخها

كل هذه الاتهامات الموجّهة لليسار التونسي بكون أنه ترك ملف الحريات لبعض الأحزاب الأخرى التي تدّعي الحداثية والتقدّمية على شاكلة الحزب الحاكم نداء تونس، نفاها الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي الذي قال في تصريح لـ”العرب”، إن اليسار التونسي بصفة عامة والجبهة الشعبية بصفة خاصّة لا خيار أمامهما سوى الدفاع عن الحريات العامة والخاصة.

وأكّد أن الجبهة الشعبية لا تتوانى ولو لحظة واحدة في الدفاع عن الحريات أو الدفع نحو تكريس المساواة التامة بين الجنسين، متّهما بعض الأحزاب بالسقوط في التناقض التام عبر إعلان الشيء وإضمار نقيضه الذي لا يدل على أنها تؤمن أو تعتقد في مسألة الحريات التي تعتبر أهم ركيزة في الفكر اليساري.

وأكّد أن الجبهة الشعبية أو حزب العمال، الذي يتزعّمه منذ عام 1987، أصدر بلاغات وبيانات سياسية دافعت عن أي طرف استبسل في الدفاع عن مسألة الحريات بما في ذلك بشرى بالحاج حميدة.

أمّا محمّد الكيلاني، الذي يعتبر تاريخيا من أهم منظري اليسار التونسي قبل أن تشب الخصومة بينه وبين رفيقه حمّة الهمامي منذ تسعينات القرن الماضي، فقد أكّد بدوره لـ”العرب”، أن اليسار التونسي لم يتخل في أي فترة من الفترات عن قضايا الحريات، إلا أن تعقد المسائل وحساسية المرحلة هما ما دفعا بكل أحزاب اليسار إلى التعامل بتحفّظ مع العديد من الملفات الشائكة. واعتبر الكيلاني أنه على الرغم من أن مسألة الحريات تعد ضرورة كونية وليست اختيارا، إلا أنها باتت مع تعمّق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد ثانوية، مؤكّدا أن إشباع بطون المواطنين بات من أوكد الحريات والحقوق التي وجب على الجميع العمل لتلبيتها.

وأكّد أن كل القضايا الاجتماعية والأزمات الاقتصادية التي نخرت جسد البلاد ودفعت بها إلى شبح المجهول ساهمت في استنزاف الجميع يسارا ويمينا، داعيا كل الأطراف إلى الوقوف إلى جانب أي مدافع عن حرية التعبير أو عن الحريات العامة والفردية.

فوضى المواقف

من الناحية الفكرية الصرفة، أدلى الفيلسوف والمفكرّ التونسي وعالم الأنثروبولوجيا، يوسف الصديق بدلوه في المسألة بقوله في تصريح لـ”العرب” إن مسألة الحريات ليست دينية بقدر ما هي شأن بشري وكوني لا تخرج دوائره عن وجوب وجود إرادة جماعية في المضي قدما لتكريسها وترسيخها كقاعدة أصلية وأساسية للمجتمع التونسي بعيدا عن الشعارات “الأخلاقوية” و”الدينية” التي أربكت المجتمع التونسي أو دفعت بشريحة واسعة منها إلى التطرّف بسبب تلقينات عقبت الثورة لا تمتّ بصلة لطبيعة التونسيين.

وأكّد الصدّيق استغرابه من سكوت أو تفادي بعض الأحزاب التي بنيت على قاعدة “لا لحصر الحريات” وعلى رأسها الأحزاب اليسارية الخوض أو الدفاع عن كل ما يتعلّق بمسألة الحريات، مؤكّدا أنه انتبه منذ إصدار تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة إلى خفوت أصوات عرفت منذ عقود بتجنّدها للدفاع عن الحريات ومنها الأطراف الحزبية المكونة للجبهة الشعبية.

وأشار إلى أن مردّ غياب الفكر اليساري في علاقة بمسألة الحريات غير نابع من تخل عن الملف لفائدة جهات أخرى كنداء تونس بقدر ما هو متأت من فكرة أن الأحزاب لم تعد هي التي توجّه المجتمع بل أصبحت تساير ما يطلبه ليس في إطار تلبية رغباته بل لربح أصوات انتخابية قد تتهمها بالزندقة وحتى الإلحاد إن تشبّثت بالدفاع عن مقومات الحريات أو المساواة.

Thumbnail

ومن جهته، قال أحمد نجيب الشابي، الذي عرف منذ أربعة عقود بتمرسه في العمل السياسي التونسي أو الدفاع عن الحريات رغم كل ما يتهم به من اقتراب غير منطقي مع الأحزاب الإسلامية وفي مقدّمتها حركة النهضة، في تصريح لـ”العرب” إن ما أفسد الحياة السياسية في تونس عقب ثورة يناير 2011 هو انخراط كل الأطراف السياسية في حسابات سياسيوية ضيّقة لا تعبّر بالنهاية عن التوجه العام لأدبياتها بقدر ما هي إرضاء لما تريد العامة المخدوعة في أغلب الأحيان بشعارات  الشريعة التي تريد الاستحواذ على كل ما يتعلّق بسلوكيات وممارسات البشر.

وأكّد أن سكوت العائلة اليسارية عن ملفات بمثل عمق تقرير لجنة الحريات يصب في خانة محاولة تجنّب الدخول في جدل مجتمعي قد يخسرها أصواتا انتخابية خاصة أن الجميع بات يوجّه بوصلته للانتخابات التشريعية والرئاسية في عام 2019، مذكّرا بأن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي اختار منذ العام الماضي تأمين مستقبله السياسي بالمراهنة على إعادة وحبك نفس التصورات البورقيبية العصرية (نسبة إلى الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة) والتي توّجت منذ خمسينات القرن الماضي بمجلة الأحوال الشخصية. وأكّد أن هذه الخطوة قد لا تكون متأتية من إرادة أو دفع نحو الحريات بقدر ما هي فعل سياسي قد يؤتي أكله في قادم المحطات الانتخابية.

ولا تتمحور معركة الحريات في تونس حول توظيف الائتلاف الحاكم بقيادة نداء تونس وحركة النهضة للملف لغايات انتخابية فحسب، إذ أصبح كل أفراد ومكونات العائلة اليسارية التونسية يوجّهون لبعضهم تهم التقصير في الدفاع عن حريات التونسيين ومستقبلهم المجتمعي.

وهنا، قال بوراوي الزغيدي، وهو ناشط يساري، إن العديد من الأطراف اليسارية المتصدّرة للمشهد السياسي التونسي طيلة ثماني سنوات عقبت ثورة الشعب التونسي تخلّت شيئا فشيئا وبصفة تدريجية عن أهم أدبياتها التي لا يمكن لها أن تكون سوى مصطفة وراء الحريات الفردية والعامة أو الحريات الجنسية أو المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث.

جلول عزونة: إن ما يوجه من اتهامات لليسار التونسي بتغافله عن ملف الحريات يدخل في منطق المغالطات الكبرى التي فندتها كل المراحل
جلول عزونة: إن ما يوجه من اتهامات لليسار التونسي بتغافله عن ملف الحريات يدخل في منطق المغالطات الكبرى التي فندتها كل المراحل

وأكّد الزغيدي أن الحسابات السياسية المبنية على تكتيك الاستقطاب لغايات انتخابية أفقدت كل الفصائل السياسية في تونس مصداقيتها وألحقتها بالضبابية والغموض في المواقف خاصّة بشأن مسألة الحريات. وأشار إلى أن بعض ما يدعون أنهم يساريون وناطقون باسم الفكر الماركسي سقطوا في تكريس مبادئ لا تمتّ بصلة للفكر اليساري كالمهادنة أو الانحناء حتى في علاقة بحريات وحقوق الإنسان إلى أن تمر عواصف المحطات الانتخابية. وفي قلب المعركة حول ملف الحريات الذي وصلت فيه سهام النقد حد تكفير كل من يدعو إلى وجوب تقديس أو احترام الحريات، أكدّ الكاتب والمفكرّ التونسي جلول عزونة، وهو من أهم منظري اليسار التونسي وينتمي إلى الجبهة الشعبية في تصريح لـ”العرب”، أنه عادة ما يقال إن اليسار واليساريين منغمسون في نقاشات أيديولوجية ومتعمّقون في أطروحات تنظيرية أدت إلى انقسامات واختلافات فكرية واتهامات متبادلة صلب الجسم اليساري أدت بالضرورة إلى تناسي الأرضية الأولى لنضالاتهم وهي الحريات الأساسية والعامة. لكن عزونة أكّد في المقابل أن ما يوجه من اتهامات لليسار التونسي بتغافله عن ملف الحريات يدخل في منطق المغالطات الكبرى التي فندتها كل المراحل التاريخية في تونس، حيث كان اليسار متصدّرا معارك الدفاع عن الحريات.

وأكّد أن تجارب اليساريين في تونس كانت منذ سبعينات القرن الماضي مضيئة وتبعث الأمل بإمكانية بناء تونس تقدّمية، مستشهدا بالدور الذي لعبه اليساريون منذ عام 1977 عبر نضالاتهم التي أدت في النهاية إلى تشكيل أحد أهم الهياكل الحقوقية وهي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المعترف بها دوليا خاصة بعد أن أحرزت برفقة أربع منظمات عتيدة على جائزة نوبل للسلام في عام 2015 لما لعبته من دور في الحوار الوطني الذي انتهى بالتوافق على تشكيل حكومة المهدي جمعة آنذاك.

كما أشار عزونة إلى أن من أهم الحريات والمبادئ تتعلق حتما بالحقوق النقابية، مشيرا إلى أن اليسار التونسي كان ولا يزال من أهم الروافد التي ساهمت في تشكيل أكبر منظمة نقابية بالبلاد، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل أو تأسيس فرع منظمة العفو الدولية بتونس.

وختم عزونة جرد تصوراته بشأن ما يتّهم به اليسار من تخل عن ملف الحريات بتأكيده على أن الأحزاب اليسارية وفي مقدّمتها الجبهة الشعبية كانت من أحد أهم المكونات التي خلصّت البلاد في عام 2013 من سطوة الإسلاميين وحكم الترويكا الذي لا يعترف بالحريات من خلال تجند مختلف مكونات اليسار في اعتصام الرحيل الذي أسقط حكومة علي العريّض إبان اغتيال الناشطين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في عام 2013.

6