لماذا يتزايد هجوم العرب على ماضيهم وتراثهم وفنونهم وآدابهم

العقل العربي الذي فككه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، قد يكون اليوم في أسوأ حالاته، مهددا بالزوال والتفتت التام. هناك من يصرخ بالعودة إلى الوراء بنبرة إحيائية وهناك من يحاول التنصل من الماضي والهروب إلى الأمام، فيما يندر أن نجد النظرة التوفيقية الكفيلة بالإصلاح.
الثلاثاء 2018/08/28
قليل من التأمل يكفي لأن ننتبه لملامح المستقبل المخيف

يسائل الناقد والباحث محمود الضبع في كتابه “مساءلة العقل العربي.. المسارات الغائبة” الواقع الثقافي العربي وكل ما يعتمل في لحظته الراهنة، هذه اللحظة الحافلة بالاضطرابات والانقسامات والصراعات والانهيارات، باحثا عن الأسباب والدوافع التي أوصلت عقله ووعيه إلى هذا الوضع الذي بلغ مرحلة خطيرة من التشويش والتشويه، محذرا من الاستمرار في هذه الحالة التي تتخبط فيها المفاهيم ويسيطر الخرافي على العقلي وتتسع دوائر الفقر والجهل والأمية والتطرف والتشدد تحت وقع الفساد والمحسوبية والمجاملة. متسائلا: ما الذي أصاب العقلية العربية لتنقطع صلتها عن منجزها وتختفي مميزاتها شيئا فشيئا وتصير إلى ما آلت إليه الآن من مكانة متأخرة؟

مقالات تأملية

 يقرأ الضبع من زوايا مختلفة الوضع العربي والثقافة العربية والعقلية العربية والوعي العربي، من منظور التأمل والتحليل واختيار الظواهر والممارسات على مستويات عدة: جغرافية وتاريخية ونفسية واجتماعية واقتصادية وحضارية، وكثير مما يدخل في هذا السياق مما يكشف عن راهن العقل العربي والثقافة العربية والهوية العربية.

الكتاب، الصادر عن دار بتانة، يأتي في صيغة أقرب إلى طبيعة المقالات، لأنه وفقا للضبع ليس دراسة أكاديمية في تخصص بعينه أو مدخل من مداخل دراسة المجتمعات، وإنما هو دراسة تحليلية ثقافية تأملية في الوضع الثقافي الراهن للأمة العربية وخاصة مصر، ترى أن قليلا من التأمل يكفي “لأن ننتبه لملامح المستقبل المخيف والذي لا تزال الفرصة بين أيدينا لمواجهته واحتجاز مكانتنا بين صفوف مالكيه ومرتاديه من شعوب العالم الذين يلحقون بالركب، وبخاصة أننا نمتلك أدوات الإنتاج ونمتلك العلماء والمفكرين والباحثين وأصحاب الصنائع، ونمتلك العقول والطاقات المهدرة من شباب وكبار، ونمتلك القوى الناعمة التي تعتمدها الشعوب بوصفها أقوى الأسلحة، ونمتلك القوى الحقيقية لكننا نغفل عنها، نمتلك كل ذلك ونمتلك الموارد الطبيعية المتنوعة والثرية والفريدة ولكنا نحتاج لتحديد المفاهيم أولا ثم وضع الشعوب في مساراتها الصحيحة وهي القوى الوحيدة القابلة للبناء والإنتاج”.

الكتاب يأتي في صيغة أقرب إلى طبيعة المقالات، لأنه وفقا لمؤلفه ليس دراسة أكاديمية في تخصص بعينه
الكتاب يأتي في صيغة أقرب إلى طبيعة المقالات، لأنه وفقا لمؤلفه ليس دراسة أكاديمية في تخصص بعينه

توقف الضبع عند عمليتي التعليم والتعلم ودور المعلم وعلاقته بمستجدات التدريس ومفهومه المتغير متسائلا: كيف نستطيع الوصول بالمعلم في واقعنا العربي إلى امتلاك مهارات التدريس المبدع والتدريس التفاعلي؟ وما التداخلات والبرامج التدريبية التي سيحتاج إليها وصولا لذلك؟ وهل يمكن لمعلم لا يمتلك القدر المناسب من الثقافة أن يمتلك مهارات الإبداع والتخييل والقدرة على التفاعل مع المتعلمين ومراعاة الفروق بينهم، ومراعاة احتياجاتهم المتنوعة وتصنيفها في أنماط للتعليم تبعا لما توصلت إليه نتائج الأبحاث التربوية في هذا الصدد؟.

وقال الضبع “نحن في حاجة ماسة لوضع برامج تثقيفية للمعلمين العاملين في المجال بالفعل، كما يقتضي الأمر، ووضع مثل هذه البرامج في مقررات الطلاب الجامعيين الذين سيعملون مستقبلا في هذا المجال، وهذا أمر ليس مستحيلا ولا صعب التنفيذ، فقط يحتاج لإرادة ومشاركة فعلية بين وزارات التعليم العالي والتربية والتعليم والثقافة، مشاركة مدركة أولا لخطر ما نحن فيه بفعل القطيعة بينهم إلا ما ندر، ومتوجهة نحو كسر بيروقراطيات عربية تأصلت عبر السنين، ولكن يمكن كسرها بسهولة.

التراث العربي

وفي سياق قراءته للسياسة الهجومية التي نمارسها نحن العرب على تراثنا وحياتنا وتقاليدنا، تساءل الضبع: هل نستطيع بناء تصور عقلي ولو محتمل عن هذا الهجوم الذي ألفناه على تراثنا وحياتنا وتقاليدنا؟ هجوم نمارسه جميعا في رفض ما كان يربطنا بهويتنا العربية من مأكل وملبس وفكر وأساليب حياة ناهيك عن عادات وتقاليد وقيم ومفاهيم. أو هل نستطيع البحث عن بديل معاصر لملامح هذه الهوية في ارتباطها بالواقع الذي نعيشه، وبالتالي نتمكن من الحفاظ على ما تبقى لدينا من قيم وتقاليد وأشكال حياة يمكن تطويرها لتتناسب مع المعاصرة مع قدرتها الفاعلة على الاحتفاظ بتلك الهوية؟ هل نستطيع بناء هذا التصور العقلي عن واقعنا لنتمكن من بناء التصور الأهم عن المستقبل والأخطار التي تهددنا لو استمر بنا الحال على هذا المنوال الذي نحن ماضون فيه وبكل قوة؟.

وأضاف “نحن أمة في خطر والخطر يكمن في هذا التصور العقلي أو ما يمكن تسميته ‘الوعي العربي العام’، ذلك الوعي الذي يقتضي بذل المزيد من الجهود لإعادة بنائه قبل أن يتدهور به الحال أكثر مما هو عليه، ويتزايد هجومه على ماضيه وتراثه وفنونه وآدابه وهي العناصر المشكلة لهويته”.

ورأى الضبع ضرورة التوافق والاتفاق حول مفهوم التراث العربي وعدم حصره في الفكر الديني الذي تمت صياغته بدءا من القرن الثاني الهجري، أي منذ ما يزيد عن الألف ومئتي عام، وكان مناسبا لزمانه آنذاك، وهو سيختلف حتما عن التراث المعني هنا. وهو كل صالح للتداول الآن من الموروث الفكري والاجتماعي والديني والأخلاقي في القديم العربي البعيد، أو المنتج الفني والعلوم والآداب التي أنجزتها الشعوب العربية عبر مسيرتها في القديم العربي القريب “عصور النهضة وما تلاها”.

ونبّه الباحث إلى أن كل مرحلة من مراحل الوجود العربي رسخت أفكارا اجتماعية وعادات وتقاليد، بعضها لم يكن إيجابيا، من نشر روح الفرقة والتناحر، وإقرار لعادة سب آل البيت على المنابر وفي دور العبادة لمدة مئتي عام في الدولة الأموية مثلا، ومن إذكاء لروح العصبية والشعوبية لاستخدامها سياسيا، أولا ثم تحولها لفعل اجتماعي تاليا في الدولة العباسية وتأجيج لروح الفتن والدسائس في الدولة الفاطمية، ثم الحكم العثماني وما ترتب عليه من تجهيل للشعوب العربية وفصلها عن أسباب التطور الذي لحق به العالم من حولها. كل ذلك أدى لتوريث الشعوب العربية عيوبا وسلبيات غير قليلة عملت نظم الثقافة والتعليم على التخلص منها بدءا من مطالع القرن التاسع عشر، ثم أهدر الاستعمار هذا التصحيح، وأضاف إليها سلبيات أخرى يعد أهمها التبعية الشرقية للغرب فكريا واجتماعيا في الكثير من الأحيان وبالتالي تزايدت معدلات الانفصال حتى عن القيم العربية الأصيلة التي كانت تحمينا، وتزايدت معدلات السلبية والاستسلام وعدم الدافعية.

14