لماذا يتصرف القراء وكأنهم الأبطال الحقيقيون للأدب

كتاب "التحليل النفسي والأدب" يقدم قراءة نقدية لتاريخ العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي مقارنة بالسائد من التصورات والمقاربات.
السبت 2019/01/12
علم النفس يوجه منظاره إلى عمق النص الأدبي

تعتبر علاقة علم النفس بالأدب علاقة وثيقة جدا، حيث أن العديد من الشخصيات الأدبية الروائية أو المسرحية كانت منطلقا للتحليل النفسي، لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث بات علم النفس يوجه منظاره إلى عمق النص الأدبي سواء أكان يريد الوصول إلى المؤلف وذاته، أو إلى القراء، أو إلى كنه النصوص وما تثيره من قضايا.

اعتنت الدراسات النفسيّة بالأدب، منذ بحوث فرويد، وما اتبعها من تحليلات جاك لاكان، وأجريت عبر هذه المقاربات ممارسات تطبيقية، كانت لها نتائجها المبهرة في الكشف عن الكثير من العلاقات، على مستوى المؤلف نفسه، وأيضا على مستوى الشخصيات، وعلاقتها ببعضها البعض، وميلها لهذا السلوك.

وتوالت الأبحاث ولم تقف عند الإعجاب بل جاءت دراسات أشبه ببحوث تقييميّة لنتاجات فرويد على نحو ما جاء في هذا الكتاب الجديد “التحليل النفسي والأدب” لجان بيلمان – نويل، بترجمة حسن المودن، حيث يتحلل المؤلف قليلا من تأثير المشاريع ذات النزعة اللاكانيّة في التحليل. وهو بهذا يقدم تصوّرا نظريّا ومنهجيّا متقدما مقارنة بالسائد من التصورات والمقاربات في التحليل النفسي للأدب.

المحلِّل النصي

يُعد هذا الكتاب، الصادر عن دار كنوز ببيروت 2018، بمثابة المؤلَّف النظري الأساس الذي وَضع اللّبنة الأولى للمقاربات النفسانيّة الجديدة والمتجدّدة التي اشتهر بها جان بيلمان – نويل، أي التحليل النصي كما يقول المترجم.

والكتاب في مجموعه عبارة عن قراءة تقييميّة نقدية لتاريخ العلاقة بين التحليل النفسي والأدب. تنتهي إلى اقتراح مقاربة نفسانيّة، تريد أن تكون جديدة مغايرة جذريا للمقاربات النفسانية التقليدية، مركزة على التحليل الذي يختار النصّ الأدبي، لا مؤلفه، موضوعا للتحليل.

 قراءة تقييميّة نقدية لتاريخ العلاقة الجدلية والمتغيرة بين التحليل النفسي والأدب
 قراءة تقييميّة نقدية لتاريخ العلاقة الجدلية والمتغيرة بين التحليل النفسي والأدب

 فالمؤلف النصيّ كما يعرفه المؤلف عكس الناقد التقليدي النفساني فهو يضع المؤلف -الإنسان جانبا، مستهدفا إنشاء مقاربة نفسانية للنصوص الأدبية، تنطلق من أنّ لكل نص لا وعيه. بمعنى أن يكون النص الأدبي معمولا بواسطة خطاب لا واع. وأنّه من الممكن وصف العمل الذي يتحقّق داخل النص.

ويرى المؤلف أنّ التحليل النفسي ليس علما فحسب، بل إنه أيضا أفضل من العلم، لأنّه فن يساعدنا على تفكيك حقيقة ما في كل قطاع من القطاعات الملغزة داخل التجربة الإنسانية كما يعيش الإنسان هذه التجربة. وهو فن يستند إلى نظرية ويستند أيضا إلى ممارسة بلا تقنيات إلزامية وبلا شفرات شفافة، وبلا نماذح أصلية وبلا تصورات أحادية، وبلا نقط استدلال ثابتة. فهو مثل بينيلوب ينسج لوحته ويفككها كما نصنع نحن بحياتنا.

وهو بهذه المقاربات التي يعتمدها جان بيلمان أعاد قراءة فرويد من جديد، كما أنه أعاد فحص العلاقة بين التحليل النفسي والأدب بطريقة تجمع بين التاريخ والنقد. وهو ما يعني استقراء لتاريخ العلاقة من سيغموند فرويد إلى جاك لاكان. انتهى من خلالها باقتراح التحليل النصي، بديلا يسمح بالانتقال من الاهتمام بمؤلف العمل الإبداعي إلى تركيز النظر على العمل الأدبي نفسه. وبهذا يرفض المؤلف عملية التماهي التي تجعل النص الأدبي مطابقا لمؤلفه، فهو يسعى لأن يشرح النص نفسه بنفسه.

فالنص هو هذا الشيء الذي بواسطته يكون الإنسان مختلفا. ويرى أن النص هو هذا الشيء الذي لا يكون مطابقا أما إذا جعلناه مطابقا فهذا يؤدي إلى أنجع الوسائل التي ستقود إلى تدميره وتحطيم مفهوهه. ولذا يقترح جان بيلمان – نويل من أجل بناء مستقبل للأبحاث في التحليل النفسي للأدب، أن نقرأ النص الأدبي بواسطة التحليل النفسي الفرويدي بالأساس، ولكن بعيدا عن المؤلف.

 فمؤلف النص ينبغي أن يوضع خارج اللعبة. ولا يعني هذا أنه يُنكر المؤلف بل على العكس فهو يقر بأهمية المؤلف ووجوده كذلك، فهو موجود دائما ومسبقا داخل الرّحم الانفعالي الذي تنشط القراءة في أحضانه. فالمعنى الذي يقصده أن ننكر المؤلف كموضوع رؤية وأن نعترف بأن النص هو الذي ينبغي له أن يكون موضوع رؤيتنا، إذا كانت إشكالية الكتابة هي التي تشغلنا.

فعلى الناقد النفساني الجديد وهو يحلِّل النص أن يتقدم بهذا الافتراض “لا وعي النص”، موضحا أن ما يجب أن يستهدفه أن يدرك من جديد تلك الدلالة اللاوعية في نص لا ينبغي لدراسته أن تتجاوز سياجه النصي، ولا أن تحيل على أي مرجعية خارجية. وهو ما يعني “أن تقرأ بكل لا وعيك” وفقا لعنوان كتاب آخر له.

القراء الأبطال

يتوزّع الكتاب على ستة فصول ومقدمتيْن، الأولى للمترجم يستعرض فيها أفكار جان بيلمان – نويل، والتطورات الفكرية لمشروعه وصولا إلى التحليل النفسي، والثانية خاصة بالمؤلف يستعرض فيها مفهوم القراءة من خلال التحليل النفسي. فالأدب عن طريقه نعي إنسانيتنا التي تفكّر وتتكلم، فبواسطة الأدب من الممكن للإنسان أن يسائل ذاته وقدره الكوني واشتغاله الاجتماعي والذهني. فالأدب روعته تكمن في أنه “خطاب زائف لا ينقل الواقع” ومن هنا جاء سحره ومأساته وحظه العجيب.

بعد فصل عنونه بـ”القراءة مع فرويد” يتطرق المؤلف في الفصل الثاني إلى “قراءة في اللاوعي” حيث يؤكّد أهمية الحلم الذي اعتبره من قبل فرويد الطريق الملكي الذي يقود إلى اللا وعي. وأنه يمثّل إنجازا متنكرا لرغبة منسيّة. وإن كان المؤلف يرى أن الحلم هو محكي ينتجه الحالم في حالة اليقظة أي عندما يسترد وعيه. ومن ثمّ يخضع للصوغ اللفظي أو ما يُعرف بالملفوظ السّردي كما تعرّفه اللسانيات.

نظرة إلى عمق الأدب (لوحة للفنان صفوان دحول)
نظرة إلى عمق الأدب (لوحة للفنان صفوان دحول)

ويتطرق الكتاب إلى “قراءة في الذات” والمؤلف يرى بصورة مباشرة أن أوّل ما يقرأه القارئ في العمل الأدبي سواء أكان هو مُنْتِجه أم المستهلك، هو ذاته. فالتمثلات اللاواعية تريد أن تظهر للوجود وتعبر عن نفسها من خلال خطابات على الرغم من وجود الرقابة. وهي تريد أن تظهر باعتبارها خطابا: للعرض، للحلم، للعب الطفولي، للعب مقصود أو غير مقصود بالكلمات.

 وفي بحثه عن المادة اللفظيّة الأدبية يُفرّق بين لغة التواصل النفعي الخالص كفلتات اللسان وهفوات القلم، وهي دوما هشة تخضع لهيمنة مسبقة من المنطق، أما لغة الطفل الذي يلعب ولغة الإنسان الذي يحلم، ولغة المجنون، فهي لغات مبهمة لأن اللا وعي يسكنها ويحرفها باستمرار.

أما اللغة الشعرية في إشارة إلى كل لغة غير نفعية، ويقصد بها لغة الفن، فيجب أن تقدم تركيبا من هاتين اللغتين “لغة التواصل النفعي، ولغة الطفل والحلم والمجنون”. وفي حديثه عن اللذة التمهيدية، يقول إن ثمة فارقا بين ما يشعر به الحالم، الذي يخفي استيهامه لأنه يشعر بالخجل تارة، وتارة أخرى لأن لديه انطباعا بأنّ ما يستدعي الخجل لن يجلب لنا أي لذة. في مقابل الشاعر الذي يحكي لنا ما نميل إلى اعتباره من أحلامه النهارية الشخصية، فإننا نختبر لذة كبيرة جدا تعود بلا شك إلى تضافر العديد من مصادر المتعة.

وبذلك فالمتعة الحقيقية أمام العمل الأدبي هي التي تصدر عن نفسيتنا التي تتحرّر من بعض التوترات. والأدب نفسه في تأكيد لهذه الفرضية يضرب لنا الكثير من الأمثلة عن هؤلاء القرّاء الذين يتصرفون كأنهم “أبطال الأدب الحقيقيون” ويجعلون من التشبه بهم هدفهم الأسمى. كما أن فعل الكتابة هو الذي يعيد رسم المسافة بين غياب الرغبة، وبين خطاب لفظي حيث يجري تسجيل تصويرات مجازية وناطقة. وإن كانت الكتابة لا تشفي، إلا أنها آلية دفاع.

15