لماذا يتهافت الجميع على مهنة الإخراج؟

تخسر السينما كثيرا عندما يهجر مصوّر موهوب التصوير إلى الإخراج، ويخسر التصوير بالقطع، في حين أن الإخراج لا يربح شيئا، ولكن سحر الإخراج لن ينتهي.
الأربعاء 2019/05/01
هل ينتهي سحر الإخراج

من يتأمل المشهد الحاضر في السينما العربية يصيبه العجب، فقد أصبح جميع العاملين بالسينما بل ومن يتطلعون إلى العمل بها من الشباب، يريدون أن يصبحوا مخرجين للأفلام السينمائية.

المصوّر يريد أن يهجر مهنة التصوير السينمائي ليصبح مخرجا، وكاتب السيناريو لم يعد يحب الكتابة للآخرين، بل يريد أن يكتب ويخرج الأفلام بنفسه، ولم لا؟ وهل هو أقل من غيره فقد تحوّل الكثير من الكتاب إلى مخرجين وكتاب في وقت واحد؟

والمونتير يريد أن يجرب حظه في الإخراج، فهو يعتقد أنه هو الذي يصنع الفيلم في صورته النهائية، وصفوف من الممثلين يريدون العمل في الإخراج، فهم يعتقدون أنهم قد اكتسبوا خبرة كبيرة في الإخراج، رغم أنهم يؤمنون أيضا بأنهم المسؤولون عن منح الفيلم سحره وتألقه وأن المتفرجين يذهبون أساسا لرؤيتهم على الشاشة، وربما يجمع الممثل أيضا بين التمثيل والإخراج.

والكثير من المتفرجين أيضا يريدون أن يجلسوا في مقعد المخرج السينمائي الذي يبدو في الصور التي تنشرها الصحف كإمبراطور غير متوج، يمسك بالميكروفون ويلقي بالتعليمات التي يطيعها الجميع كما يطاع أي دكتاتور صغير أو كبير.

وقد سبق أن صرّح المخرج الجزائري المخضرم أحمد راشدي بأنه عندما كان مديرا لمؤسسة السينما الجزائرية، كان يتلقى سنويا 300 طلب للحصول على منح لدراسة السينما، من بينها 298 طلبا لدراسة الإخراج، ويضيف أن شروط دراسة الإخراج لم تكن تختلف كثيرا عن غيرها من شروط الالتحاق بالعمل في الشركة الوطنية للنفط والغاز أو الشركة الوطنية للمعادن، فقد كانت الوسيلة المؤكدة للحصول على العمل هي “أن يكون للشخص قريب أو صهر”!

وما عرفه راشدي في السبعينات هو نفسه ما يحدث الآن عند التقديم لمعاهد السينما، فالغالبية العظمى من الشباب تتطلع إلى دراسة الإخراج، تجذبها صورة المخرج، المؤلف، النجم، صاحب الفيلم، المتحكم في التصوير وفي الممثلين والممثلات، المتدخل في السيناريو أو الذي يكتبه بنفسه، فالمخرج عند أغلب الشباب “إله” صغير، يأمر وينهى ويصارع ضد الجميع من أجل إنجاز فيلمه، وهو وحده الذي يُنسب الفضل إليه ويحصل على التقدير والجوائز.

ويزداد سحر المخرج أيضا عندما يكون هو منتج فيلمه الذي لا يتكلف كثيرا، لكنه يمتلك القدرة على تسويقه وأحيانا يحقق بعض الربح قبل أن يبدأ تصويره، فمع انتشار وسائل التواصل والاتصال عبر شبكة الإنترنت، أصبح الكثير من الشباب ممّن ينفقون الوقت على جهاز الكومبيوتر أمام شبكة الإنترنت، يمكنهم مخاطبة المئات من شركات الإنتاج والتمويل وقنوات التلفزيون وصناديق الدعم في المهرجانات السينمائية التي توفر منحا مالية أو عينية قبل وبعد وأثناء التصوير.

وإن لم ينجحوا مع بعضها فقد ينجحون مع البعض الآخر، والكثير منهم يقلدون بعضهم البعض، بل وإلى جانب سحر الإخراج هناك أيضا سحر الإنتاج، فتظهر شركات إنتاج صغيرة لا تملك شيئا سوى القدرة على إرسال رسائل البريد الإلكتروني وتسويق المشاريع على الورق.. لعل وعسى. والفكرة التي يرجونها هي أنهم يصنعون “السينما المستقلة”.. ولكن مستقلة عن ماذا بالضبط؟ لا أحد يعرف!

عرفت الكثير من كتاب السيناريو “الموهوبين” والمصوّرين المتميزين الذين اتجهوا إلى إخراج الأفلام، لكنهم لم ينجحوا في أن يصبحوا مخرجين متميزين وظلت أفلامهم البسيطة المحدودة في طموحها الفني، شبه مجهولة أو تدور فقط في محيط بعض مهرجانات السينما الصغيرة التي ترحب بأي فيلم، خاصة لو كان يتناول قضايا ساخنة من القضايا الدائرة في المنطقة العربية.

ورغم أن عملية إخراج الأفلام عملية مرهقة وشاقة تقتضي الكثير من الجهد البدني والعقلي إلاّ أنها تظل مهنة جاذبة، فما هو كل ذلك السحر الذي يجذب الجميع إلى الإخراج السينمائي؟

أتصوّر أن “سحر الإخراج” يرجع في جانب كبير منه إلى فكرة السفر والدوران على مهرجانات السينما المحلية والدولية، فالمخرج يعتبر نفسه “صاحب الفيلم”، وهو الذي توجه له عادة الدعوات، بينما لا يدعى المصوّرون وكتاب السيناريو إلاّ في ما ندر وفي حالة الأفلام الروائية الطويلة وليس الأفلام التسجيلية التي تستغرق معظم جهود “المتحوّلين” من مهن سينمائية أخرى لتجربة حظوظهم في مجال الإخراج.

ويتصوّر الكثيرون أن الذهاب الى مهرجان سينمائي يمكن أن يضيف الكثير إليهم، فهم سيتمتعون بالسير فوق السجاد الأحمر، تظهر صورهم في الصحف، تجري معهم القنوات التلفزيونية الجائعة المقابلات، يختلطون بكبار المخرجين ويسيرون معهم رأسا برأس، يلتقطون مع أصدقائهم صور “السيلفي” التي ينشرونها على الفيسبوك وإنستغرام وتويتر..

ليس مهما أن تتنافس أفلامهم بجدية مع أفلام غيرهم بل المهم الحضور في حد ذاته، خاصة بعد أن أصبحت المهرجانات الدولية الكبرى تقبل أفلاما من أي نوع تحشو بها تظاهراتها الهامشية!

تخسر السينما كثيرا عندما يهجر مصوّر موهوب التصوير إلى الإخراج، ويخسر التصوير بالقطع، في حين أن الإخراج لا يربح شيئا، ولكن سحر الإخراج لن ينتهي.

16