لماذا يجذب المغرب الاستثمار الأجنبي

الأربعاء 2016/10/19

منذ أوائل القرن الحالي، أثبت المغرب أنه دولة جاذبة للمستثمرين الأجانب. وكانت تونس قبل اندلاع أولى ثورات ما عرف بالربيع العربي فيها، تتباهى بأنها تملك أفضل سجل في جذب المستثمرين الأجانب في العالم العربي.

وكان ذلك النوع من التباهي مبالغا فيه نوعا ما، ولكن سجل البلاد كان مثيرا للإعجاب. هذه الحقيقة لم تعد قائمة، ولم يعد اليوم من الصعب شرح أسرار جاذبية المغرب للمستثمرين الأجانب.

في خضم الاضطرابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجزء كبير من أفريقيا، يبدو المغرب من أكثر بلدان المنطقة استقرارا. ولم يسجل حكم العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي خلف والده قبل 17 عاما، أية اضطرابات سياسية أو أمنية كبيرة.

نجا النظام الملكي من عدوى الثورات العربية من خلال مزيج من التنازلات السياسية، ليست كلها من قبيل مستحضرات التجميل، قبضة حازمة أمنيا، وقفزات مخملية في مجال الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتحسين كفاءة إدارة البلاد.

لقد فاز الإسلاميون في الانتخابات العامة الثانية في غضون خمس سنوات، ولكن كما هو الحال دائما، يتوقف تقدمهم السياسي عند القصر الملكي، وهي تجربة فريدة في الانفتاح على مختلف الفصائل السياسية في وقت تحرز فيه البلاد تقدما كبيرا على الصعيد الاقتصادي.

القطاعات التي استفادت أكثر من تدفقات الاستثمار بقيمة 3.9 مليار دولار في عام 2015 هي صناعة السيارات والطائرات، وتحديدا شركات مثل مجموعة بيجو ستروين ورينو وشركات الطيران وخاصة الاتفاق الكبير مع مجموعة بوينغ الأميركية.

سجل المغرب مثير للإعجاب حيث لم يعد مـن الصعـب اليـوم شـرح أسرار جاذبية المغرب للمستثمرين الأجانب

وتبقى فرنسا وأسبانيا والمملكة العربية السعودية المصدر الرئيسي للاستثمار، ولكن البنك الأفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للتنمية نشطان أيضا. وقد أكد ذلك افتتاح محطة نور للطاقة الشمسية، التي استفادت من 660 مليون دولار من هذين البنكين، في إطار تكلفة إجمالية قدرها 2.2 مليار دولار.

وكان قرار شركة رينو استثمار نحو 1.6 مليار دولار في مصنع عملاق للسيارات العملاقة في منطقة طنجة من أجل إنتاج 150 ألف سيارة سنويا في عام 2012، إشارة إلى العالم مفادها أن المغرب نجح في الاستفادة من قربه من أوروبا ووجوده على مفترق طرق بحرية هامة.

وقد تمكنت صناعة السيارات من خلق أكثر من 70 ألف وظيفة في السنوات الأخيرة، لكن الحذر واجب، لأن الكثير من الوظائف ضاعت بسبب إغلاق العديد من الشركات المحلية الصغيرة لتصنيع الملابس.

لقد خلق الاستثمار الأجنبي بعض الوظائف في الوقت الذي تنفق فيه الدولة الكثير من الأموال على البنية التحتية لجذب شركات من أمثال رينو وبيجو.

ويبدو أن التسهيلات الاستثمارية ليست متاحة بنفس الدرجة للمستثمرين المحليين، وهو خطأ جسيم. هناك الكثير من الموارد المحلية في المغرب، سواء كانت بشرية أو مالية. ويمكن إضافة 100 مليار دولار من رأس المال المحلي الذي يحتفظ به المغاربة في الخارج، من خلال تعزيز ثقتهم بمستقبل بلادهم.

وقد فتح نجاح إنشاء ميناء عملاق جرى تطويره في المنطقة الأكثر فقرا حول طنجة في شمال البلاد، أبواب الاستثمار وأصبحت المنطقة مركزا لتجميع السيارات وتصنيع قطع الغيار، في وقت تزدهر فيه صناعة قطاع غيار الطائرات في محيط الدار البيضاء، وقد تمكنت قبل بضع سنوات من اجتذاب شركة بومباردييه الكندية.

وتم تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال تطوير شبكة الطرقات في المغرب، التي تصل الآن إلى أغادير جنوبا وإلى وجدة غربا، إضافة إلى خدمة القطار السريع بين طنجة والرباط ومراكش.

وأصبح المغرب نقطة جذب رئيسية للسياحة والاتفاقيات الدولية مستفيدا من توسيع الشريط الساحلي بين الـدار البيضاء والقنيطرة شمال الرباط قبل ربع قرن، ويتحول إلى منطقة جغرافية أكبر من ذلك بكثير تمتد من طنجة إلى أغادير وداخليا إلى وجدة قرب الحدود مع الجزائر.

ويتم اتخاذ جميع القرارات الاستثمارية الكبرى من طرف الملك، الذي يمكن أن يختار أن يحرك موجة من القواعد المعينة في قانون الاستثمار. وتندرج خطوط صنع القرار في مجال التوظيف في المغرب في هذا الصدد، في جعل الشركات الكبرى، التي تستثمر في العقارات والخدمات المصرفية والسياحة والتصنيع، تشعر بأنها موضع ترحيب.

ومن المزايا المهمة أن الخدمة المدنية العليا ذات التأهيل التعليمي العالي، غير متورطة في الفساد.

ومع ذلك، لا يمكن قول الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بالشركات الأجنبية الصغيرة، التي لا تزال بحاجة إلى شركاء أقوياء في المغرب.

ولا يزال الفساد يعتبر أكثر شيوعا على المستوى المحلي، ويمكن أن يكون التفاوض على الأجهزة الإدارية لصنع القرار محبطا. أما بالنسبة للمغاربة الذين ليس لهم دعم سياسي قوي، فيمكن أن يكون ذلك مستحيلا.

يستفيد المغرب أيضا من سياسته لتعزيز نشاط الروابط التجارية والمصرفية مع دول غرب أفريقيا، وهو أمر لا يعتبر سهلا ويتطلب الكثير من المثابرة والعمل. وقد حقق ذلك ثمارا كبيرة وساعد العديد من الشركات المغربية، مستفيدا من المركز المالي في الدار البيضاء واعتبارها المركز الرئيسي لحركة الطيران الدولي. مما أتاح للمدينة بناء نفسها كي تكون مركزا إقليميا للتمويل.

وتقف خلف هذه الإحصاءات الجريئة، سياسة العمل المنظم التي يشرف عليها الملك محمد السادس، والتي تشجع المزيد من الشباب المغاربة من مهندسين ومصرفيين وموظفي الخدمة المدنية ليصبحوا أكثر انفتاحا، وأكثر انسجاما مع عالم ما وراء الحدود، في حين كان البلد قبل جيل واحد، أكثر اهتماما بنفسه.

ولا تزال هناك مشكلة أن ثلث المغاربة أميون، في وقت يبدو فيه أن الأثرياء سوف يصبحون أكثر ثراءً، بينما يعيش الكثير من المغاربة على الضروريات.

إذا لم تتم معالجة هذه الفوارق الاجتماعية الواضحة ونقص التدريب لن يتم إحداث العديد من فرص العمل، وسوف لن يتم ضمان الاستقرار على المدى المتوسط. الاستثمار الأجنبي دون الاستثمار المحلي غير كاف لضمان الاستقرار على المدى الطويل.

الجائزة الكبرى، لمغرب أكثر انفتاحا، ما تزال بعيدة المنال، حيث لا تزال العلاقات مع الجزائر المجاورة مجمدة لأن الدولتين على خلاف بشأن وضع الصحراء المغربية.

وتعاني العلاقات التجارية مع الجزائر، التي يشتري المغرب منها الغاز الطبيعي من خط الأنابيب الذي يمتد من الجزائر إلى شبه جزيرة إيبيريا، في وقت تزدهر فيه السوق السوداء بين البلدين، التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات من السلع، وتبقى أهم بكثير مما يرغب المسؤولون في الرباط الاعتراف به.

التقدم الاقتصادي في المغرب بطيء، وفي بعض الأحيان هش، ولكنه حقيقي.

كاتب في صحيفة العرب ويكلي

11