لماذا يحرض الإمام على المثقفين والمبدعين

أول الذين يتعرضون للاضطهاد في مختلف المجتمعات هم المبدعون والمثقفون، لما يمثلونه من نفس تحرري وإنساني صادق، يقف في وجه كل أشكال التطرف والقمع، قمع يتجاوز الجهاز السياسي للدولة، بل هو أعمق بكثير، متجذر في عمق نسيجها الاجتماعي، حيث المجتمع الذي تتحكم فيه قوى جامدة متمثلة خاصة في القوى الدينية التي ترفض كل تجديد للحفاظ على سطوتها. ومن هنا نفهم الواقع الاجتماعي العربي حيث فكرة رجل الدين الذي يتحكم في رقاب الناس ومصائرهم، وحيث يقف ضد كل نفس إبداعي وتحرري، على غرار محاكمة الخيال والإبداع كما صار مع الكثيرين، منهم نجيب محفوظ ونصر حامد أبوزيد ومحمد عبدالوهاب وأحمد ناجي ونوال السعداوي، والقائمة تطول كل يوم.
السبت 2017/07/08
يلاحق الإبداع أينما كان

يجمع كتاب “دولة الإمام.. متى تخلع مصر عمامة الفقيه؟” مجموعة مقالات نشرت في عامي 2015 و2016 للكاتبة رباب كمال التي أكدت أنه جاء “من وحي ما كابدناه في مصرنا في مواجهة النعرات الطائفية وفي محاولة مضنية لإعلاء قيم المواطنة والتعايش والتعددية تحررًا من دولة الإمام وقوامها ليس فحسب القوانين وإنما ثقافة مجتمعية جعلت من الإمام صنمًا على التفكير والتجديد”.

اضطهاد المبدعين

تقول الكاتبة “أعيش في مصر، أرض الكنانة، مصر المحتلة من دولة الإمام، دولة عزفت عن مسؤوليتها على الأرض وتفرغت للدفاع عن الله في السماء، فأصبحت تتحدث باسمه وتصوغ التشريعات لمحاكمة من يخرج عن النص حسب تأويلات الفقهاء والأئمة الذين يتقاضون رواتبهم في دولة الإمام”.

وتضيف في الكتاب، الصادر عن دار ابن رشد، “مصر احتلتها دولة الإمام، احتلتها ثقافة وقانون حرصا على التفتيش في عقيدة المرء لا صلاحه ودوره المجتمعي، أعيش في مصر التي تتسع لكل الأديان والعقائد والأعراق، لكنها لم تتسع للكاتب المصري علاء حامد، موظف الضرائب الذي كتب رواية ‘مسافة في عقل رجل‘ في مطلع التسعينات، واتهم بازدراء الأديان، فتشوا في عقيدته وقلمه، اعتبروه مجرمًا كافرًا ملحدًا فسجنوه ثماني سنوات في سجون الإمام، نظافة يده ورفضه قبول الرشاوى في وظيفته لم يشفعا له، دولة الإمام شفعت لزميله الماسك بالسبحة كمن يمسك على دينه بيد ويتقاضى الأتاوات والرشاوى باليد الأخرى، فليس مهما أن تكون صالحًا أم فاسدًا في دولة الإمام، المهم أنك تسبّح بحمده، تسبح بحمد رب الدولة ودولة الإمام”.

التحرر يبدأ بالكتابة

وترى الكاتبة أنه “في دولة الإمام التي ظنت أنها ظل الله على الأرض، سيطلب القاضي من المطرب الشهير أن ينطق الشهادتين تكفيرًا عن غناء قصيدة، كما حدث مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب عام 1989، فنال الأخير البراءة ليس لسخافة القضية وإنما نالها بعدما طالبه قاضي القضاة بنطق الشهادتين في محاكم الإمام. في دولة الإمام سيتم تفريق زوج وزوجة لأن الزوج ينادي بتنوير العقول وإعمال العقل في النص الديني، كما فعلوا مع أستاذ الفلسفة المصري نصر حامد أبوزيد في تسعينات القرن الماضي، ففرقوه عن زوجته ابتهال يونس وشعر يومها المفكر بأن القاضي يتبول في عقله كما قال، لقد جن جنون المفكر، ألا يعلم أنه يتحدث عن قاض في محكمة الإمام؟! في دولة الإمام سيطالب الشيوخ والإعلاميون بل والرياضيون برجم الأديبة المصرية نوال السعداوي، فهي ترى المرأة صوت الثورة وهم يرونها عورة، ولا حياة لمن تنادي في دولة الإمام”.

وتتساءل “لماذا تسطحون فكرتنا عن الله في دولة الإمام؟ الله هو العدل، هو الرحمن، هو الرحيم، هو الغفور، هو السلام، هو الحميد، هو الكريم، هو الجليل، هو الشكور، هو الحليم، أليست هذه أسماء الله يا دولة الإمام؟ لماذا تشوهون أنتم الله وتجعلون منه سجانا كلما اختلف أحد معكم في الفكر والتأويل؟ لماذا تختزلون الله في نطق الشهادتين في ساحة المحاكم، فكم من قاتل سفاح نطق الشهادتين وهو ينحر ضحيته، أفهو مؤمن وأنا كافرة في دولة الإمام؟ هل من يدعو إلى تقبل الآخر والتعايش والتفكر وإعمال العقل كافر ماجن عابث؟”.

وتقول “يرسلون إليّ برسائلهم مهددين أنني لن أفلت منهم ولن أفلت من دولة الإمام وسجونها، يصفونني بالكافرة الداعرة، نعم أنا كافرة، آمنت بوطني ومصريتي وترابها ونيلها وصحرائها وسمائها وأرضها وكفرت بدولة الإمام، كفرت بالقاضي الذي سيسألني عن ديني وعقيدتي وسأشهد أنني مصرية لا سلطان عليكم إلا بمصريتي”.

عنصرية وتناقض

وترى الكاتبة في مقال بعنوان “بيت العنصرية الزجاجي” أن للعنصرية وجوها كثيرة، وأحد أقبح وجوهها اضطهاد الآخر الذي لا ينتمي إلى العقيدة ذاتها والطائفة نفسها، أو التحريض عليه أو منعه من ممارسة شعائره الدينية. وعليه فإن مناهضة العنصرية المتفشية في العالم كالوباء المستعصي، تحتم علينا قبول الآخر مهما كان مختلفا طالما كان مسالمًا متعايشًا لا يحرض على غيره ولا يفرض عقيدته أو مذهبه على رقاب الآخرين.

وتؤكد رباب كمال أن مناهضة التطرف ترتكز على الانحياز إلى بني إنسان بغض النظر عن عرقه أو لونه أو عقيدته.

وتضيف “في خضم هذه الأحداث، طالعنا مرصد الإسلاموفوبيا بدار الإفتاء المصرية قبل عدة أيام ببيان عاجل عن اضطهاد المسلمين في ميانمار، والمرصد يحمل تسمية غربية دون تعريب في سابقة من نوعها بهدف مخاطبة العالم، فهو منوط برصد حالات الاضطهاد والعنصرية ضد المسلمين خاصة في أماكن تواجدهم كأقلية دينية. وألقى المرصد على كاهله حشد الحشود من أجل نصرة هؤلاء المسلمين ضد يد العنصرية الغاشمة التي تضطهدهم بسبب قناعاتهم العقائدية والدينية. وكانت دار الإفتاء قد أدانت في بيان صادر لها بتاريخ 28 أبريل 2016 غلق مسجدين في ميانمار بجنوب شرق آسيا على يد السلطات المحلية، وشجب البيان منع الأقلية المسلمة من أداء صلواتها في هذين المسجدين. اعتبرت دار الإفتاء أن ما يحدث في ميانمار ممارسة عنصرية فجة وخرقًا للمعاهدات الدولية التي تكفل الحريات الدينية وحرية ممارسة الشعائر، ودعت الإفتاء إلى محاسبة الأفراد والهيئات المتورطة وناشدت المجتمع الدولي التدخل”.

محمد عبدالوهاب ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وأحمد ناجي.. مبدعون طالتهم يد الإمام

وتضيف الكاتبة “أمام هذا البيان والخطاب شديد اللهجة لنا وقفة طويلة، خاصة بعد استخدام دار الإفتاء لمرادفات على شاكلة ‘ممارسة عنصرية، حرية دينية، حرية ممارسة الشعائر، المواثيق والمعاهدات الدولية‘. ونعرض في هذه الوقفة عدة تساؤلات. أولا: هل تدرك دار الإفتاء التابعة لمشيخة الأزهر بأن المواثيق والمعاهدات الدولية التي استشهدت بها، تؤيد الحريات الدينية بشكل مطلق، أي أن الحرية الدينية وحرية ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة ليست قاصرة على المسلمين دون سواهم، وأن تلك الحقوق كما جاءت في المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليست حقا أصيلا للمسلمين أصحاب المذهب السني وحدهم؟ بل حق للبشرية جمعاء. وهذا ينقلنا إلى التساؤل الثاني، هل يُعد هذا البيان بمثابة اعتراف من دار الإفتاء المصرية بحق الأقليات الدينية -أيًا كانت- في ممارسة الشعائر الدينية حسب تلك المعاهدات؟ أم أن دار الإفتاء وقعت في شر المعايير المزدوجة؟ ثالثا، لماذا لم ُتحرك دار الإفتاء ساكنًا حين قام وزير الأوقاف محمد مختار جمعة بغلق ضريح الإمام حسين في أكتوبر 2015 منعًا لإحياء ذكرى عاشوراء؟ ألا يعد هذا منعًا من ممارسة شعائر دينية بما يتعارض مع المواثيق الدولية؟ علمًا بأن أن إحياء الذكرى في مصر يتمثل في قراءة القرآن وزيارة ضريح الإمام الحسين وقراءة حادثة عاشوراء. اعتبر وزير الأوقاف أن هذه الشعائر أباطيل.. تماما كما تراءى للسلطة في ميانمار حين أغلقت المسجدين، فهي كذلك اعتبرت شعائر المسلمين هناك من الأباطيل”.

وتستشهد الكاتبة بالكثير من الممارسات المتناقضة التي تنتهجها دار الإفتاء في حق المعتقدات الأخرى كالبهائية مثلا، كما تمارس سطوتها على المثقفين والكتاب والمبدعين، إذ لا تعترف بغير ما تشرّعه من معتقدات، في تناقض صارخ مع ما تصرح به من اعتراف بحرية المعتقد.

للعنصرية وجوه كثيرة، وأحد أقبح وجوهها اضطهاد الآخر الذي لا ينتمي إلى العقيدة ذاتها والطائفة نفسها، أو التحريض عليه

وتشير كمال إلى أن كل التساؤلات على سبيل المثال لا الحصر، وكلها تساؤلات على سبيل اختبار كشف العنصرية. وكلها تساؤلات تكشف إن كانت شعارات التسامح التي نرفعها حقيقية أم واهية وانتقائية.

ولا شك أن منع مسلمي ميانمار (4 بالمئة من التعداد السكاني) من أداء الصلاة في مسجدين تم إغلاقهما يُعد دربًا من دروب العنصرية التي لا يمكن قبولها، ولكن يبقى السؤال: هل نتعاطف مع مسلمي ميانمار لأنهم مسلمون أم لأنهم مواطنون يحق لهم اعتناق وممارسة شعائرهم، أيًا كانت عقيدتهم، دون اضطهاد؟ هل نتعاطف ونساند قضية مسلمي ميانمار لأسباب عقائدية انحيازية أم لأسباب إنسانية بحتة؟

ربما تواجه الأقلية المسلمة ممارسات عنصرية في ميانمار وهو أمر لا يمكن تبريره، لكن هناك كذلك أقليات مسلمة في بلاد غير إسلامية تتمتع بحرية ممارسة شعائرها وبناء دور عبادتها. وهذا الحق الأصيل لم يُمنح للمسلمين خارج أوطانهم على اعتبار أن الدين الإسلامي دين سماوي، ولكن تم منحه التزاما بالمعاهدات والمواثيق الدولية والحق الإنساني في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر.

وقد بوبت الكاتبة مقالات الكتاب في ستة أبواب بدأتها بباب الحرية العقائدية والتمييز الديني، ثم تطرقت إلى حرية التعبير والإبداع، لتخلص ثالثًا إلى قضية تجديد الخطاب الديني، كما تطرقت إلى قضية توظيف الدين في الخطاب السياسي لتختتم كتابها بمسألة الخطاب الثقافي في مواجهة ثقافة الفقيه.

15